اللُّغةُ والثَّورةُ : تَجلِّياتُ ودِيْنامِيَّاُت دِيْسَمْبَرَ

عبد الماجد عبد الرحمن عوض الكريم الحبوب - 01-05-2020

اللُّغةُ والثَّورةُ : تَجلِّياتُ ودِيْنامِيَّاُت دِيْسَمْبَرَ

  • عبد الماجد عبد الرحمن عوض الكريم الحبوب

(المحاور: اللُّغة والفكرُ – اللُّغةُ والتَّغييرُ- قَفْزُ اللُّغةِ : حَيَوِيَّاتُ الرَّانْدُوْك، ودِيْنامِيَّاتُ اللُّغَاتِ المُضادَّة - تَطْبِيقاتُ دِيْسَمْبَرَ)
" الاعتصامُ كان لحظةَ العبقريةِ الأَعلى في تاريخِ نِضالنَا مُنذ الاستقلالِ."
محمد محمود

"تَنشأ اللُّغةُ المُضادَّةُ حِينما يَكونُ الواقعُ البديلُ واقعاً مُعاكِساً ومُناهِضاً للقواعدِ المُؤَسِّسَةِ (للواقعِ السَّائد)… إنَّ هذه السِّمةَ المَجازيةَ، هي التي تُعرِّفُ اللُّغةَ المُضادَّةَ". (مايكل هاليدي).
" إَنَّ المجازَ يَخترقُ حياتَنا اليوميَّةَ اِختراقاً ليسَ في اللُّغةِ فَحسْب، بل أيضاً في الفِكْرِ، والفِعل. إِنَّ نظامَنا الفِكرِيَّ العَاديَّ الذي بمُوجِبهِ نُفكِّر ونَفعل، هو في الواقعِ - بطبيعته - نِظامٌ مَجازِيٌّ … إنَّ عملياتِ التَّفكير الإنسانيِّ، هيَ - إلى حدٍّ كبيرٍ - عملياتٌ مَجازيَّةٌ.". (جورج ليكوف، ومارك جونسون.)

لا يمكن التفكير في عظمة ثورة ديسمبر وعبقريتها, دون أن تقفز إلى الذهن مباشرة تجلياتها وإبداعاتها اللغوية. بل إن تجلياتها اللغوية هذه، هي جزء لا يتجزأ منها, هي الثورة ذاتها. لا تكاد تتشكَّل ديسمبر, وليس لا تكتمل فحسب دون لغتها، وبغير اجتراحاتها اللغوية المدهشة, دون شعاراتها وأهازيجها , أراجيزها, أشعارها وغنائها, بغير نكاتها ومُلَحها وطرائفها, ودونما مفرداتها ومستجداتها اللغوية الملتصقة بها والنابعة منها والمشكلة لها في آنٍ واحد. ديسمبر صنعت لغتها بالقدر نفسه الذي صنعته به لغتها: ثمة جدل داهش وحميم بينهما, كل منهما شكل الآخر, بصورة ما, صنع كلاهما الثاني وأبدعه على طريقته الخاصة أيَّما إبداع.
علاقات اللغة بالثورة والتغيير السياسي والاجتماعي مركبة, وتتنازعها جملة من الأفكار والنظريات والرؤى. هنا مقاربة تقوم على أربعة محاور: اللغة والفكر, اللغة والتغيير الاجتماعي, قفز اللغة: حيوات الراندوك واللغات المضادة, وتجليات ذلك وتطبيقاته في لغة ديسمبر. وسنبدأ بطبيعة العلاقة بين اللغة والفكرة.

اللُغَةُ والفِكْر:

شغلتِ العلاقة بين اللغة والفكر اللغويِّين منذُ زمان بعيد، وفي شكله الحديث، تمحور هذا الانشغال حول ثلاث نظريات: 1. اللغة تشكل الفكرَ والرؤية للواقع, بمعنى أن الصوغ اللغوي ليس مجرد ماعون للفكر, بقدر ما هو الفكرة نفسها لا ينفصل عنها. أخذ هذا الاتجاه تجسيده الأعلى في نظرية عَالمِيَنْ أميريكيَّين اِثنين أحدهما لغويٌ، والآخر مهندسٌ ( فرضية سابير-وورف) . بالنسبة لهما، كلُّ لغةٍ هي نظرة خاصة للعالم والحياة ( النسبية اللغوية linguistic relativity), وكل أفكارنا وتصوراتنا لا تأخذ مادتها إلا في كلماتنا ولغتنا ( الحتمية اللغوية linguistic determinism ). في صيغتها القصوى. واجهت النظرية رفضاً وهجوماً كبيريْن منذ الستينات, ولكنَّ الحال استقر, في دوائر علم اللغة وفلسفتها, على أن للغة دوراً هاماً وفعّالاً في تشكيل تصوراتنا عن العالم ، وفي بنية تفكيرنا دون جزم بالتشكيل اللغوي الكامل للفكرة. 2. الفكرة هي التي تصوغ اللغة (أكبر من دافع عن هذا الاتجاه هو هادسون Hudson).3. العلاقة جدلية بينهما (ليست ذات اتجاه واحد), وهذه تبدو أكثر معقولية لغالب علماء اللغة. ولاحقاً وضمن التجسيرات التي حدثت بين المدرستين الأكبر في الفلسفة: المدرسة التحليلية الأنجلو-أمريكية والمدرسة القارية, وضمن أفق ما بَعْدَ الحداثة ودراسات الخطاب, تم التأكيد أكثر على أهمية هذا الدور بشكل يكاد يُحْيِ فرضية وورف وسابير. ومن أبرز ذلك, ما كشفته تلكم الآفاق البحثية الجديدة من عدم حيادية اللغة, ومن أنها في الواقع ساحة للصراع الاجتماعي ( site of social struggle), بل من أنها شكلٌ من أشكال الوجود الاجتماعي،ومكان تشتغل فيه الهويات المختلفة وتصطرع وتتشابك وتتفاوض وتتشكل باستمرار.

اللُّغةُ والتَّغْيِيْر(التَّغَيُّرُ اللُّغَوِيُّ والتَّغْيِيْرُ الاجْتِمَاعِيُّ):

عدم حيادية اللغة، وكونها ساحة تصطرع فيها قوى مختلفة وإرادات مختلفة, قوى سائدة متسيّدة، وقوى تتوق لتصحيح وضعها وللصعود الاجتماعي, ينبّهنا لأهمية دورها الهام في التغيير, من ناحية, ولتعقد علاقة التغيير اللغوي بالتغيير الاجتماعي, من ناحية ثانية. التغيير اللغوي يحدث نتيجة أسباب داخلية (ديناميات داخل اللغة) وخارجية (نتيجة ديناميات تحدث خارج اللغة وتضغط على بنية اللغة). النوع الأول من الأسباب, لمّا يزل يشوبه الغموض, وقد لا تكون كيمياؤه بعيدةً أيضا من العوامل الخارجية, رغم عدم وضوحها, ومن أمثلة ذلك التغيير الصوتي الكبير ( Great Vowel Shift) الذي حدث في اللغة الإنجليزية بين عَهْدَي تشوسر وشكسبير. وقد يكون من نماذجه أيضاً الصعود الكبير والغامض الذي تشهده حالياً اللغة السواحيلية في شرق ووسط أفريقيا وتمددها الواسع في المنطقة حتى قارب متحدثوها المائة مليون. الأسباب الخارجية تتوزَّع بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي, وتشمل الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية ونحوها مما يؤدي للهجرات ولحدوث الاحتكاك اللغوي بمجتمعات تتحدث لغات مغايرة. ومثلما للتغيير اللغوي أسباب داخلية وخارجية, لديه كذلك آليات وعمليات وأنواع كثيرة. فهو قد يَضْرِبُ اللغةَ على جميع مستوياتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. لا يمكننا الاسترسال هنا, ولكنْ لكل نوعٍ عملياتٌ وأمثلة عديدة: الصوتي قد يشمل عمليات القَلْب الصوتي (Metathesis), وهو عبارة عن قلب مواضع الأصوات أو المقاطع داخل الكلمة أو مجموعة من الكلمات داخل الجملة؛ والصرفي يشملُ أنواعاً عديدةً من الاشتقاقات والتصاريف, والتغيير الدلالي على مستوى المُفْرَدَة (الكَلِمَة) يقع في أربعة أضرب بارزة: التحسين والتقبيح والتوسع والتضييق ( amelioration, pejoration, broadening and narrowing ) (من أمثلة التَّحسِينِ،التَّغييرُ الذي طرأ على كلمة nice الإنجليزية, ومن أمثلة التَّقبيحِ، التغييرُ الذي طرأ كذلك على كلمة silly ( الأولى كانت تعني "غبي" في الماضي, في حين كانت تُشير الثانية إلى معنى "سعيد أو بريء" في اللُّغةِ الإنجليزية القديمة) .
بإيجاز, التغيير اللغوي فعّال, و قد يكون دالاً على تغيير في بنية الواقع، وقد يصنع هو نفسه واقعاً جديداً وفكراً جديداً.

*القَفْزُ اللُّغَوِيُّ: دِيْنَامِيْكِيَّةُ الرَّانْدَوْك، وحَيَوِيَّةُ اللُّغَاتِ المُضَادَّة

قَفزُ اللغة من مستوى اجتماعي معين إلى مستوى آخر, كقفز لغة الطَّبقات المهمشة السحيقة (الشماشة, مثلاً) إلى مستوى اجتماعي أعلى (لغة الطبقة الوسطى, مثلاً), يُسمى علمياً (بظاهرة انتقال اللغة أو عبورها Language-crossing ). كان عالم اللغة البريطاني بن رامتون Ben Rampton هو من سك المصطلح إثر ملاحظته الدقيقة لاشتغال الظاهرة في منطقة شرق لندن، حيث تتجمع وتشتبك لغات وثقافات وإثنيات متعددة. يحدث هذا القفز أو العبور حين تتمدَّد وتتماهى لغة طبقة مع طبقة أخرى. في السودان تأخذ تجليها الأبرز في ظاهرة عبور لغة الراندوك (لغة يتحدَّثها الصِّبية المشردون في شوارع الخرطوم للتواصل فيما بينهم، ولها خصائصها الصرفية والنحوية والصوتية، وطرائق خطابها وتدواليتها المختلفة من العربية السودانية العامية المعيارية). وهى ظاهرة, نادرة وماتعة وذات حيوية بالغة. بدأ هذا العبور "الشَّمَّاشِي" العظيم, على وجه التقريب, منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وواصل زحفه نحو لغة الطبقة الوسطى, ونحو النموذج اللغوي المعياري أو variety) mainstream). ولكنه, وصل نقطته الأعلى في القفز مع وخلال اندلاع ثورة ديسمبر 2018م, بل أصبح يتصدر بيانات تجمع المهنيين وأناشيد الشباب الثوار، ودخل في خطب القادة ،وصارت عبارات مثل (السَّانات والرَّاسطات والنَّاس الواقفة قَنَا - وهو على الأرجح تعبير "راندوكيٌّ" انتقل للثوار عبر هذا العبور والقفز اللغوي - تَرِدُ في بطاقات الدعوة لمناسبات الزواج وحفلاته .
يتم القفز عادةً عبر مراحلَ قد تتدرَّج وعبر وسطاء (mediators ), وفي حالة القفز الراندوكي العظيم, يبدو أنه قد تم عبر وسطاء، كالجمهور الرياضي، والصحافة الرياضية (أصلاً هؤلاء عندهم هامش قد يمارسون فيه فضاءاً مائلاً قليلاً من اللغة المعيارية السائدة ال mainstream language ), ثم عبر وسيط الشباب youth language (أيضاً لديهم هامش للميل عن المعياري السائد), وبعد ذلك ولجت عبارات الراندوك لغة البرجوازية الصغيرة والطبقة الوسطى (الطبقة التي وقع عليها غالباً أكثر عبء التغيير في التاريخ الحديث). وينطوي الراندوك على آليات مقاومة السائد, عبر معاكسته للغة العربية العامية المعيارية السائدة (من سماته قلب حروف (أَصْوَات) الكلمات ومقاطعها، وتغيير أماكنها الأصلية أو إضافة حرف/صوت للكلمة حتى تبدو غريبة للمتحدث المعياري- صوت سُلْطةِ السَّائِدِ بالنسبة له). هذه السمة مندرجة في سياق علاقة اللغة بالسلطة وديناميكتها ( power dynamics), وهى توجد في نموذج آخر ذي صلة وهو ما يُسميه العالم اللغوي البريطاني هاليدي (Halliday) باللغات المضادة.
اللُّغَاتُ المُضَادَّةُ أو البَدِيْلَةُ Anti-languages/Alternative Languages:

اللغات المضادة أو اللغات البديلة, مصطلح سكَّهُ عالم اللغة البريطاني الكبير مايكل هاليدي(1976) , لوصف ضربٍ من اللغات أو اللهجات الاجتماعية التي تنشأ وسط مجموعات محددة, (كمجموعات السجون وكفقراء المدن ومشرديها، وكمجموعات الطلاب وغيرهم… الخ. تنشأ في سياقات محددة وفي أماكن محددة) يسكونها للتفاهم فيما بينهم كمجتمعات خاصة مغلقة. اللغة المضادة هي لغة بديلة أو كيان مجازي metaphorical entity)) كما يقول هاليدي تحاول خلق واقع اجتماعي رمزي جديد وصناعته، بديلاً عن الواقع السائد ومقاوماً له (راجع فِكرتي رأس المال الرمزي ورأس المال الاجتماعي لعالم الاجتماعي الفرنسي بورديو). هذا الواقع البديل المجازي يسربون من خلاله أحلامَهم وقيمَهم الجديدةَ وثقاتَهم الخاصة subculture, counter-culture)), والتي قد يضعونها في حالةٍ موازية تماماً لقيمِ المجتمعِ السائد الضاغط عليهم - بالعنف الرمزي - عبر فرض لغته باعتبارها معياراً للصحة والجودة وثقافتِهِ،. ويرى هاليدي أن "وظيفة اللغة المضادة هي خلقُ واقع بديل." وتقترب فكرة الواقع البديل هذه من فكرة "الحياة الثانية", (second life), التي هي لدى عالم الاجتماع آدم بودجريكي عبارة عن إعادة تركيبٍ للهويات الاجتماعية ،بحيث تصير هوياتٍ اجتماعيةً بديلةً تمتلك ثقافتها وقيمها ونظام مكافآتها وعقوباتها البديلَ الخاصَّ بها (فكرة التركيب الاجتماعي للهويات كان قد افترعها في الأصل بيرقر ولوكمان في أحد أهم كتب علم الاجتماع في القرن العشرين: التركيب الاجتماعي للواقع: مقاربة في سوسولجيا المعرفة 1966م , قبل أن تستعيدها دراسات الخطاب بشكل ألح في العقود الأخيرة) . وليس غريباً إذاً أن فكرة "الحياة الثانية" التي أسسها عالم الاجتماعي هذا في أوائل السبعينات من القرن الفائت, أصبحت اليوم واقعاً بوصفها منصةَ حياةٍ افتراضية متكاملة على الإنترنت، وصل سكانها مئات الآلاف وربما الملايين, وهى حياة حديثة متكاملة -باقتصادها وشركاتها ونظامها القانوني وفنونها وشبكة علاقاتها الاجتماعية المركبة.
وعليه، يمكن أن نَعُدَّ الراندوك لغةً مضادةً أو لغةً بديلةً بامتياز, إذ إنَّها تشترك مع تلكم اللغات في الخصائص الصُّغْرَى والكُبْرَى معاً (يُقصَد بالصُّغْرَى الخصائصُ اللغوية الداخلية من بنية صوتية وصرفية ونحوية ودلالية, ويُقصَد بالكُبْرَى السماتُ المرتبطة بعلاقة اللغة بحركة البنى الاجتماعية خارج اللغة باعتبارها حركةَ السلطة وتفاعلاتها، وتركيبة علاقاتها المعقدة power dynamics). تشمل السمات الصُّغْرَى أشياء مثل قلب الحروف/الأصوات والمقاطع, والاشتقاق العكسي للكلمة (back-formation) وإدخال بوادئ ولواحق للمفردة/الكلمة, مثلما تشمل عملياتٍ صرفيةً مثل التغيير المعجمي ( relexicalisation), من خلال صنع كلمات جديدة لمعاني قديمة, والمضاعفة الصرفية reduplication) ) (وهى تكرارُ جذرِ الكلمة أو بعضٍ منها في كلمةٍ أخرى مثل كلمتي: كَرْكَرْ وشَعْشَعْ ،وفيها أنواع كثيرة). وتشمل الاقتراض من لهجات ولغات أخرى وتوظيف ذلك جيداً داخل بنية اللغة الجديدة المضادة, وكذلك تحويل الصفة النحوية للمفردة من فعل إلى اسم أو اِسم إلى صفة, وهكذا. والسمات الكُبْرَى تتجلى في فعل المقاومة لمجمل النظام السائد وعبر صنع الواقع البديل والهويات البديلة, وتفريغ الضغط الاجتماعي والنفسي والاقتصادي على المجموعة المضادة ( anti-society) من خلال استراتيجيات تشمل المرح والتهكم والسخرية من بنية السلطة السائدة وكل ما يرمز لها (ولقد رأينا ألوناً من ذلك خلال غليان ثورة ديسمبر). وثورةُ ديسمبر, تكاد تكون الميدان العملي "المثالي" لاشتغال كل هذه الديناميّات والجدليات.

تَطْبيْقاتُ دِيسَمبر:

على ضوء ما تم ذكره بشأن اللغة والتغيير واللغات المضادة ممثلةً في الراندوك وعبوره العظيم إلى لغة الطبقة الوسطى، وتجليه من بَعْدُ في لغة ثورة ديسمبر 2018م, فإن معاينة ديسمبر كواحدة من أعظم ثورات التاريخ الحديث, بل وربما التاريخ إطلاقاً - وعظمتها مرتبطة بشراسة، وقبح وسوء وعنف النظام الذي صارعته فصرعته - لا تتم, كما جاء في صدر هذه المقاربة, بمعزل عن صورة ديسمبر اللغوية،لأن لغتها هي- إلى حدٍ بعيد - هويتها ذاتها من حيث هي ثورة ؛ إبداعها الشارعي والمقاوم لقبح النظام وفساده وقمعه، لم يكن ليتم بعيداً عن إبداعها اللغوي الأصيل والرائع.

منذ انطلاقتها اتسمت ثورة ديسمبر بتراكيب ومنحوتات مفرداتية وتعبيرية خاصة بها أكسبتها هويةً ثورية مائزة. من الصعب إحصاء هذه المنحوتات والتشكيلات اللغوية المبدعة, على وجهٍ دقيق, ولكنَّ لمحةً عامة لها، تدل على تمظهر سمات عديدة للغة البديلة المضادة، وعلى تجلٍ راندوكيٍّ بهي فيها. صار هذا التجلي جزءاً من كيمياء الثورة ذاتها. وهي سمات موجودة على مستويين: سماتٌ صغرى، سماتٌ كُبْرَى micro/macrolinguistic features)). الجدول أدناه يمثل محاولةً لرصد بعض أهم مفردات الثورة وعباراتها،مَرْفوداً ببعض الوصف والتحليل بناءاً على ما تقدم ذكره.
المفردة أو العبارة/دلالتها
وصفها وتحليلها
وظيفتها في مستوى أعرض(الوظيفة التداولية والخطابية)
تسقط بس
تكاد تختصر الوجه اللغوي للثورة كله.. تمتاز بالإيجازية الشديدة, والوضوح التام والاكتناز الدلالي الثوري الضخم.
مقاومة بنية سلطة النظام والعمل على هدمها بالكامل وسريعاً, وكسر لغته المطنبة التي كانت تحاول جاهدة المحافظة عليه.
حرية..سلام..وعدالة
شعار مبدع.. في إيجازيته وإيقاعه واتساع معانيه بحيث صار مرجعاً للثورة تحاسب به نفسها ويُطالَب قادتها بالرجوع إليه متى ماانحرفوا.. كما يطالبها أيضاً أعداؤها - بصرف النظر عن دوافعهم- بالالتزام به.
تصميم هذا اللوقو (الشعار).. حدد منذ البداية هوية الثورة وشخصيتها المميزة في ثلاث كلمات فقط.. ومثلما تحتوي شعارات بعض المؤسسات والشركات على رسائل خفيّة عن طريق الألوان والخطوط وغيرها, كذلك يبعث اللوقو المبدع برسائل عديدة للطغيان وللعالم.. الجزء الأخير الملحق بالشعار منفتح و صار يتغيّر مع إيقاع الثورة ومراحلها المختلفة (الثورة خيار الشعب.. الثورة قرار الشعب..ثم مدنية قرار الشعب)..ولعله يظل يتغيّر على الدوام.

  • الحل في البل

  • اللحسة في الدقسة

  • ياو..ياو..وي..وي

  • المكنات والجاكات
    تجمع سمة المضاعفة reduplication والتوسع في معنى "البل", ونقلها من مستوى سوقي إلى مستوى أعلى.

  • صَابِّنَّها (من صبة بمعنى التثبيت القوي(خرصانة واسمنت) في بناء المنازل.
    -الموزة (الطريق المختصر), - البنج (تبنيج الموضوع أي إهماله), حمام للشخص الضعيف

  • الرصة والمنصة.. (لتأكيد التكاتف والتماسك).

  • مدنياااااو (توسع المعنى بشكل كبير جداً من مجرد المعنى المعاكس للعسكرية, ليشمل معاني جديدة كثيرة كلها تشير إلى الحرية والإنعتاق).
    آلية التوسعة ( broadening)..

عبارة اللحسة في الدقسة تحذر من الوقوع في فخ الخداع (يقرأ هنا خداع النظام وأمنه للثوار).
ياو..ياو..وي..وي (ليس واضحاً المعنى – لكن هي أقرب لصيغ التأكيد أو التعجب interjections (
تقع كلها في إطار اكتساب هوية مقاومة مميزة وتأكيد الذات الثورية.
كلمة مدنيااااو اتخذت هوية كتابية إملائية مخالفة لقواعد الإملاء الثابتة ومتماهية مع الشكل الشفهي للكلمة وكذلك تتميز الكتابة ببعد تشكيلي محدد(انتشر هذا البعد حتى صار ملمحاً جمالياً وثورياً في تجليد العناقريب والأسِرة وفي الشوارع والحوائط)

  • السانات (قلب كلمة ناس).

  • الدرف(فرد, بمعنى صديق/رفيق).

  • غلش (عكس لكلمة شغل)
    قلب الأصوات/الحروف, metathesis
    ينزع القلب الصوتي نحو خلخلة النظام اللغوي الصوتي والصرفي المعياري, بوصفه يمثل فضاء السلطة السائدة, وعبر هذه الخلخلة تؤسس اللغة الجديدة نظامها الخاص وفضاءها الخاص.

  • الراسطات..

  • الكنتة
    تبدو من قبيل السك الجديد (neologisms).. الراسطة = الزعيم العنيد الصلد
    الكنتة (الفعل والحركة المعينة).

  • الناس الواقفة قنا

  • سقطت ما سقطت صابنها

  • ثوار أحرار حنكمل المشوار

تفيد معنى الصمود.. تحريك معنى (قنا).. وهى أعواد نبات طويلة مستقيمة تستخدم في سقف المنازل البلدية.
العبارتان الأخريان تفيدان أيضا دلالة الصمود.. وفيهما أيضاً سمة المضاعفة والتكرار المقطعي.

  • كلوكوز ندوسو دوس, ما - - بنخاف.. ما بنخاف
    العبارة فيها تنغيم يجمع المضاعفة الصوتية مع سمات أخرى.
    العبارة تجمع بين الهجوم والدفاع معاً (الشق الأول هجومي, والثاني دفاعي). في سياق رصدنا لتاريخها, نشأت في الأساس بصفتها آلية دفاعية, لغوية-نفسية, بعد تهديد النظام للثوار بالكتائب, فلعبت دوراً إيحائياً-نفسياً للتماسك (ما بنخاف ما بنخاف), ولكنها انتبهت في الوقت ذاته لأهمية الهجوم كضامن للدفاع, فبدأت بالهجوم متخذة من لقب "الكوز" رمزية عامة للقهر والكبت والفساد. لكن بعد نجاح الثورة في اقتلاع الديكتاتور, ربما طغى الشق الهجومي على الدفاعي.
  • نوريهم الطفا النور منو؟
  • الشطف النملة منو؟
    أسئلة بلاغية يقصد منها التحدي بإعلام الشخص المخاطب أنه سوف يتعرض لمخاطر فعله.
    في سياق لغة الثورة كانت تحمل معنى المقاومة لأجهزة النظام وتحدي آلتها القمعية.. فضاء المقاومة لسلطة القمع عبر اجتراح فضاء للحرية من خلال اللغة.
  • المان (الجمع مانات)
    كلمة مستلفة من الإنجليزية man)).. رجل.
    الاستلاف أيضاً من خصائص اللغات المضادة والراندوك أحد تجلياته. ويخدم أغراض عديدة منها الترميز للتنوع في بنية اللغة الجديدة لإبراز التضاد مع النظام القديم ولغته النازعة نحو الأُحادية الفكرية والسياسية.
    استخدام أناشيد وإيقاع "الجلالات" وهى ترمز لأناشيد وأهازيج الجيش السوداني الحربية.
    تجلى ذلك بشكل خاص خلال فترة الاعتصام خاصة في الفترة من يوم 6 أبريل حتى 11 أبريل تاريخ سقوط البشير وبعدها نسبياً حتى قبيل فض الاعتصام.

متح لغة الثورة, من إرث الجلالات, لعب الوظائف الآتية:

جلب التضامن ((solidarity من الجيش في لحظة حساسية, وزيادة الضغط الشعبي على المؤسسة العسكرية لتستشعر مسؤولياتها الوطنية وتنحاز للخيار الشعبي التاريخي.
زيادة التحميس العاطفي الشعبي ورفع الشعور الوطني إلى أعلى مستوياته, مما يتطلب تماسكاً (إيحائياً ذاتياً جمعياً عبر اللغة), بفعل هذا الإيقاع وهذه الأناشيد.
النسج الشعبي الفولكلوري لهذا الإرث ضمن الإرث الغنائي السوداني الكبير (لا بد من الإشارة هنا لهذا التوظيف في بعض ألحان إسماعيل عبد المعين (ملحن أنشودة "صه يا كنار" للشاعر الصاغ محمود أبو بكر وبعض أناشيد أكتوبر كذلك).

  • الشفاتة

  • الكنداكات

من أبرز ما ميَّز لغة الثورة،إطلاق لقب "شفاتة" على الثوار الشباب الذكور, ولقب "الكنداكات" على البنات الثائرات. شفاتة ترمز للشخص الذي يمتاز بالقوة والذكاء والشراسة, فيما ترمز الكنداكة للملكة النوبية الأم في مملكة مروي السودانية القديمة.
اتخذ لقب الشفاتة روح القوة للمقاومة والتصدي, من جهة ولمقاومة خبث النظام من جهة أخرى, في حين اتسم لقب الثائرة الأنثى بالفخامة والتعظيم.
ربما يكون هذا التعظيم, معادلاً موضوعياً لإهانة النظام للمرأة طوال عهده القبيح، حيث عانت فيه النساء من ويلات النظام العام. المفردتان ساهمتا بشكل كبير في إعطاء ملامح معينة للثورة وصناعة هويتها الشبابية المميزة (دون أن يعني ذلك عزلها من الفئات العمرية الأخرى).

خَاتِمَة:
من خلال أربعة محاور أساسية (اللغة والفكر – اللغة والتغيير- قفز اللغة: حيويّات الراندوك وديناميات اللغات المضادة- تطبيقات ديسمبر ), حاولتْ هذه الدراسةُ رصدَ العلاقة بين اللغة والثورة بشكل عام, والديناميات اللغوية المبدعة لثورة ديسمبر السودانية 2018م, على وجهٍ أخص. أشرنا إلى العلاقة الخلاّقة اللصيقة المبدعة بين اللغة والتغيير الاجتماعي, وإلى كون اللغة نفسها تصنع التغيير بالقدر ذاته الذي يمكن أن نقول به إنَّ التغيير الاجتماعي يصنع لغته, وإنَّها تصنع هويات الفرد والمجتمع، بمثلما تشكل هذه الهويات المتحركة ذاتها لغة الفرد والمجتمع في الآن ذاته. وأشرنا إلى أن دراسات الخطاب الحديثة ترتفع باللغة إلى مستوى الفاعل الاجتماعي النشط، و المندغم في حركة المجتمع صعوداً وهبوطاً. ومن ذلك, ظاهرة قفز اللغة وعبورها الاجتماعي (Language-crossing) كالذي يتجلى في الراندوك باعتباره لغةً مضادةً للسلطة السائدة, ولديناميات ذلك القفز اللغوي الرهيب، وعبوره إلى ثورة ديسمبر, بوصول هذا القفز أعلى نقطة له في (بيانات تجمع المهنيين ولغة قادة الثورة وناشطيها وخطبائها العديدين، وانتشار ذلك بسرعة هائلة حتى دخل كل بيت والْتَقَطَهُ الأطفال). في الجدول أعلاه، حاولنا رصد بعض هذه التجليات، والكيمياء اللغوية لثورة ديسمبر البارعة؛ راصدين بعض ملامحها الصُّغْرى والكُبْرى (المايكرو والماكرو), مستندين في ذلك إلى بعض نظريات اللغة ودراسات الخطاب (بشكل أخص نظرية هاليدي عن اللغات المضادة وبن رامتون عن القفز اللغوي ونظريات التغيير اللغوي ونحوها).
الإبداع السوداني الديسمبري كان ولا يزال ضخماً ومتفرداً وبارعاً, وفي حاجة لدراسات كثيرة لرصده ووصفه وسبر مجاهله البعيدة ورمزياته المكثّفة. وعلى نحو خاص, أتمنى أن يوليَ الدارسون السودانيون وغيرهم كلٌّ حسب طاقته ومجاله، اِهتماماً وتوثيقاً ودراساتٍ لتجلياتِ ديسمبر في نواحٍ مثل، القرافيتي والتشكيل والرسم والغناء والموسيقى. وعلى مستوى ومضمار آخر, ينبغي كذلك دراسة الإبداع التنظيمي والتعبوي ، وإدارة التحالفات السياسية العريضة خلال الثورة وبعدها. وكذلك مما يجدر دراسته الاستخدام المبدع والفعّال للميديا الجديدة كأداة حاسمة في ثورة ديسمبر.
مراجع وهوامش:
*كاتب وناقد وأستاذ جامعي مقيم بالسعودية
Awadelkarim, Abdelmagid Abdelrahman. (2019). Language-Crossing: The Sociolinguistic Dynamics of the Language/Discourse of Shamasha (Randok) in Sudan. International Journal of Linguistics, Literature and Translation (IJLLT)http://www.ijllt.org/language-crossing-the-sociolinguistic-dynamics-of-the-language-discourse-of-shamasha-randok-in-sudan/
*( (هذه الدراسة قدمتها في مؤتمر في بريطانيا-بريتون عن لغة الراندوك(الشماشة) ونشرتها لاحقاً في هذه المجلة المحكمة.

Berger, Peter L., and T. Luckmann (1966).The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. New York: Doubleday.
Halliday, M.A.K (1976). Anti-languages. American Anthropologist: 570-584.