ليفربول تخرجُ منتصرةً على الشَّتات بعونٍ من الجناح الأيمن لآلِ الطَّيِّب

محمد خلف - 18-06-2022

في سباق مع الزَّمن، أنجزنا رحلةً ناجحة إلى سيدني وملبورن بأستراليا؛ وفي سباق مع الزَّمن، سنسعى لإنجاز هذه المشاركة، لتكونَ بمثابة صوتِ شُكرٍ لآل الطَّيِّب والأصدقاء والمعارف الذين التقيتهم بسيدني، ولأسرة أبي الطَّيِّب عادل القصَّاص بملبورن، ولأهلي الطَّيِّبين في شتَّى بقاع السُّودان وكافَّة مدن الشَّتات؛ فقد رأيتُ في تكاتف آل الطَّيِّب والتئامهم في بلديَّة ليفربول بسيدني صورةً مصغَّرة للمِّ الشَّمل والتئام الجُرحِ وتجاوز الخلاف والتَّغلُّب على حالةِ الشَّتات الشَّاملة على المستوى الاجتماعي، لتكونَ أساساً لتجاوزه على المستويَيْن الثَّقافي والسِّياسي، رغم التَّصدُّع الاقتصاديِّ الظَّاهر للعيان. لاهتمامٍ فائقٍ بالزَّمن، رافقنا في الرِّحلة إلى أستراليا كتابُ “موت الزَّمان” أو “هلاكه” و”نهايته” المحتومة من تأليف جوليان باربر، إلَّا أنَّنا لم نجد وقتاً لمراجعته، فاكتفينا في هذه المشاركة بخطوطِه العريضة؛ وكنَّا قد أشَرنا في مقالٍ سابق إلى تأثير السَّفريَّات الطَّويلة بالطَّائرات على خلخلة السَّاعات البيولوجيَّة وإرباك زمن المسافرين، فها نحنُ الآن نكتبُ تحت تأثير تلك الخلخلة، خصوصاً عند العودة من سيدني عن طريق سان فرانسيسكو، حيث التقينا برفيق العُمُرِ هاشم محمَّد صالح، فكان لقاءً عابراً، لكنَّه يكادُ يُضاهي في كثافته التقاءنا بالأخت عفاف خلف الله في سيدني وابنها عثمان صدِّيق أبو القاسم، الذين التقيتهم جميعَهم آخرَ مرَّةٍ، بسبب التَّشتُّت اللَّاإرادي، قبل أكثر من ثلاثين عاماً؛ فعُذراً إن جاءت هذه الكتابةُ مُخلخَلةً على منوالِ التَّقافز من حالٍ إلى آخرَ ومن آنٍ إلى نظيرِه. يُجدَرُ بالتَّنبيه، قبل المُضي قُدُماً في تسلسل هذه المشاركة، أنَّ الاسم المشترك في “موت المؤلف” عند رولان بارت، و”موت الله” عند فريدريك نيتشه، تماماً مثل “موت الزَّمان” عند باربر، قد جاء ضمن سياقاتٍ مجازيَّة وُضِعَت على سبيل الاستعارة فقط؛ ففي الفيزياء، يُشارُ إلى هذا “الموت” للتَّعبير عن اختفاء الزَّمان من المعادلات الفيزيائيَّة “الكلاسيكيَّة التي تشمل الفيزياء النيوتونيَّة ونسبيَّة آينشتاين (التي نصَّبتِ الزَّمانَ بُعداً رابعاً) وميكانيكا الكم في تفسيراتها الأولى التي لم تُفلِح في التَّخلُّص منه، رغم مجابهتها الحادَّة لمشكلة التَّوفيق بين فيزياء الأجسام الكونيَّة المتناهية الكِبَر وفيزياء الجسيمات المتناهية الصِّغَر، أو ما بات يُعرَفُ بالجاذبيَّة الكوانتيَّة. وفي هذه المشاركة، سنسعى إلى دمج الرِّحلة إلى أستراليا، رغم تعدُّدها، في أوانٍ واحد، وذلك بالنَّظر إليها مجتمعةً كما تحديقٍ في صورةٍ فوتوغرافيَّة ثابتة، وليس مثل شريط فيديو متحرِّك؛ فالزَّمانُ هنا، مع طول العهد وتقادم المدَّة، سوف يُصبِحُ مثل لوحات غسَّان سعيد مندمجاً في لوحةٍ واحدة ذات كوادر متعدِّدة داخل مربَّعات منفصلة تربطها فكرة واحدة؛ وفكرة هذه المشاركة هي لمُّ الشَّمل أو ما عبَّر عنه عادل القصَّاص في صفحته بموقع فيسبوك: “نحنُ، تعريفاً، أسرةٌ واحدة”؛ وبتمديد ضمير الجمع وتخصيصه، نُصبِحُ نحنُ معشرَ السُّودانيِّين عشيرةً واحدة (إذا اجتمعنا) أو لا نكونُ (إذا افترقنا آحادا). في سيدني، تفضَّل الصَّديق النَّاقد بكري جابر بإهدائنا مجموعةً من إصدارات مركز الدِّراسات السُّودانيَّة لتصفُّحها أثناء الزِّيارة، من ضمنها كتابه “تأمُّلات نقديَّة – جولة في عالم الكتب والكتابة” وكان من المأمول المشاركة معه في ندوةٍ ثقافيَّة يُقيمُها منتدى “سوداناب”، كما كان من المأمول أيضاً المشاركة في ندوةٍ مكمِّلة لها في ملبورن، إلَّا أنَّ زمنَ ليفربول هو زمنٌ مُسرِعٌ كسهمٍ ناريٍّ طليق تضبط دقَّاتِ ساعاتِه اِمرأةٌ فاضلة ذات حيويَّةٍ ورشاقةٍ استثنائيَّة هي فريال الطَّيِّب عثمان، حفظها الله وأطال لها عُمُراً مديداً وأمتعها بسعادةٍ دائمة، فلولاها لضاع وقتُنا بأستراليا سُدًى، ولما تمكَّنتِ ابنتُها ميَّادة من تطوير قدراتها وتتويجها بعملٍ مهنيٍّ مُجزٍ، ولما تمكَّن عثمان زوجُ ابنتها وابنُ أختي عفاف من ممارسة عمله بسلاسةٍ ويُسر، فهي التي تُشرف على تربية الأطفال الصِّغار سارَّة ومحمَّد والطِّفلة الذَّكيَّة المُتعِبة أسيل (لُلَّة الجميلة)، وهي التي تُهيِّؤهم يومياً للذَّهاب للمدرسة وروضة الأطفال. علاوةً على ذلك، تقومُ فريال بتنسيق المشاوير واللِّقاءات وتوفير وسائل المواصلات والاتِّصالات وصناعة مُلاح “التَّقليَّة” والقهوة المبهَّرة، كما لا تُخلِي حالَ سبيل هاشم ودراوي إلَّا إذا وعد بإحضارِ طنبوره الموصَّل بأسلاكٍ كهربائيَّة من صنعه وتصميمه البارع. إذا كانت فريال هي دينمو الفريق وقلبه النَّابض، فإنَّ أيمن الحبُّوب هو جناحه الأيمن المزعزِع لدفاعات الخصم؛ فمنه قد تلقَّينا الأسئلة المُلِحَّة، وحافظنا (رغم الصَّلواتِ المتقطِّعة) على صلاةِ جمعةٍ بمسجدٍ عامرٍ بكاسولا لم يكتمل بعد؛ وعبره، قد تعرَّفنا على العمق الثَّقافي لبلديَّة ليفربول، فزُرنا سويَّاً مكتبتها الرَّئيسيَّة ومتحفها وصالةَ عرضٍ للفنون، ولمسنا عن قرب منتجات السُّكَّان الأصليِّين (الأُمَّة الأولى) ومساهمات التَّعدُّد الثَّقافي الحيوي في بلدٍ يقومُ في جوهره -رغم سيطرة الأغلبيَّة البريطانيَّة- على سواعد المهاجرين من شتَّى بقاع الأرض. وفي ملبورن، أكمل عادل القصَّاص تعريفنا بهذا العمق الثَّقافي للبلد المتعدِّد الثَّقافات بزيارةِ عددٍ من المتاحف بصحبة ابنه الطَّيِّب وابنته وريفة. إلَّا أنَّ أسعد اللَّحظاتِ قد تمثَّلت في واقع الأمر في تحقُّقِ لمِّ الشَّمل بالمنزل، بصُحبةٍ أُسريَّة دافئة بوجود نادية الرَّشيد (أُمِّ محجوب وماريا) وليمياء عيسى، وابنتها صفيَّة (كبرى بناتها التي سمَّاها القصَّاص على أُمِّه الرَّائعة حاجَّة صفيَّة) وابنها الأصغر مزَّمِّل – فقد تأكَّد لنا، رغم بُعد الشُّقَّة وتقادم العهد، بأنَّنا بحقٍّ أسرةٌ واحدة. لا يكتملُ الحديث عن سيدني إلَّا بذكر عزالدِّين الجلَّاد وزوجته نور الشَّام التي تُجلجِلُ أصداءُ ضحكتِها المميَّزة عبر تضاريس الجبل الأزرق (“بلو ماونتين” أشهر معالم سيدني السِّياحيَّة) الذي قادنا إليه بمِهْنيَّةٍ عالية ابنُهما عليٌّ من البلدة السَّوداء (“بلاك تاون”، إحدى بلديَّات المدينة)، فيما كانت ذكرى صديقنا المشترك صلاح علي سرالختم، البطلِ الشُّكريِّ الأسطوري، تُرفرف فوق المضايق وعبر ثنايا الصُّخور. كما لا يمكن أن ينسى أحدٌ منَّا ضحكة فطُّومة وروحها الوثَّابة التي تهيمن بتلقائيَّةٍ آسِرة على جميع مجالس الأُنسِ الأُسريَّة. وهل في سيدني من هو أكثرُ حُسناً وإحساناً من “إحسان أحمد” – زوجة جمال بابكر وأُمُّ فاطمةَ وبكري ونون وزينب – التي تنقلُ الأطفالَ إلى المدارس مع إشراقِ كلِّ صُبحٍ بهمَّةٍ لا تفتر رغم الفلو الحائم وبقايا كوفيد اللَّعين؟ نعم هناك مَن يُضاهيها إشراقاً وإصباحاً، فهناك نادية حمِّيدة أُمُّ عزَّةَ وزوجة عبد الوهاب سعيد التي يُجلِّل إهابها حزنٌ دفين من فقد شقيقها عثمان الذي اختطفته يدُ المنون وهو في فورة شبابه وعنفوانه السِّياسيِّ والحقوقي؛ كما أنَّ هناك بنات إبراهيم النُّور وحمديَّة وشقيقات النُّور والخير تغريد وتيسير وتقوى النُّور التي ستُفاجئ المشاهدين العرب وأصدقائي بقناة “الجزيرة” في نوفمبر المقبل بحُسنِ تقديمها للبرامج التِّلفزيونيَّة أثناء منافسات كأس العالم لعام ٢٠٢٢ بدولة قطر. هذا، بالطَّبع، غير عزَّة الكِد، زوجة هاشم ودراوي، وابنة المرحوم خالد الكِد الذي لا يُمكِن لأحدٍ أن يتفهَّم مسألة الإنتلجنسيا السُّودانيَّة وتاريخ الانقلابات العسكريَّة في السُّودان بمعزل عن أطروحاته بشأنِ حركة ٢٤، ولا نستثني في ذلك منصوراً أو حتَّى اليابانيَّة يوشيكا كوريتا التي وعد ودراوي بتزويدي بنسخةٍ مصوَّرة من كتابها عن علي عبد اللَّطيف. من حُسنِ الطَّالع، أنَّ هاشم ودراوي لا يضرِبُ وعوداً كاذباتٍ تُشتِّتُها رياحُ صيفٍ سودانيٍّ قائظ وإنَّما يعزفُ على أوتار الصِّدق وطنبور البيان بالعمل؛ وفي ذلك، يُذكِّرنا تماماً بالأستاذ عمر سر الختم، الذي لا يقومُ بتدريس مادَّة المسرح فقط وإنَّما يبني لها مسرحاً ويصنعُ خشبةً وستائرَ وبرفانات، بعونٍ من طلَّابه الذين يبثُّ فيهم روح العمل، قبل مهنة التَّمثيل. وكذلك هو الحال عند هاشم، فهو الذي يُخطِّط للرِّحلة، ويصحو باكراً لحجز المكان بالحديقة النَّباتيَّة، ويُشرِف على طهي اللَّحم وتجهيز الشِّواء (الباربيكيو)، ثمَّ يصدح لنا بالغناء على أنغامِ طنبورٍ من صُنعِ يديه؛ وفي مأتم والدته، يهصره الألمُ هصراً، لكنَّه يخفُّ لاستقبال المعزِّين، وسرعان ما يتحوَّل المأتم إلى حلقةِ نقاشٍ لتقييم تجربة بابكر الوسيلة الشِّعريَّة، فيما يستعِدُّ صاحبُ “الفراشات” و”أناشيد الجبل” إلى إحياءِ ظهيرةٍ شعريَّة اليوم (السَّبت ١١ يونيو ٢٠٢٢) بمركز علي الزِّين للثَّقافة والفنون ليُحقِّق فيها “رغبةَ قراءةِ شعرِه لجمهورٍ ثوريٍّ على أهبةِ الشَّهادة والزَّغرودة”. وفي بيتِ العزاء، تحدَّث النَّاسُ عن “ساسَ يسوسُ”؛ و”ساعاتُ الأكلِ”. تعارَفنا فقاد التَّعارفُ إلى صلةِ قرابةٍ مؤكَّدة بالفنَّان التَّشكيلي غسَّان سعيد وشقيقه ناجي، ثمَّ قادنا التَّعارف والتَّحاور الخاطف إلى منزله ومَرسَمه ببلدة غريستينز، فأدهشنا ابنُ عبَّاس محمَّد سعيد بتهذيبه وعمق معرفته وثراء تجربته ولوحاته التي أشرنا إليها آنفاً بتأكيدها على فكرة لمِّ الشَّمل والنَّفاذ إلى الوحدة من خلال التَّعدُّد. قبل قدومنا إلى سيدني، أنهت نادية الرَّشيد نايل دورةً انتخابيَّة كاملة استمرَّت أربع سنواتٍ بالمجالس المحلِّيَّة بلندن ممثِّلةً عن حزب العمَّال البريطاني؛ وقد صادف وصولنا لأستراليا عشيَّة الانتخابات التي فاز فيها حزب العمَّال الأسترالي بعد سنواتٍ من سيطرة التَّحالف اليميني الذي يقوده حزبُ الأحرار؛ وبحكم اشتغالها اليوميِّ بالسِّياسة وانتمائها لحزب العمَّال، اندفعت نادية من أوَّل وهلةٍ إلى غِمارِ الحملة، داعيةً للتَّصويت لممثل حزب العمَّال بإحدى دائرتَي ليفربول الانتخابيَّتين، فحملت لافتةً مؤيِّدة لمرشَّح العمَّال وقامت بنشرِ صورتها على موقعَي “تويتر” و”إنستغرام”. إلَّا أنَّه مثلما ذابت همومُنا الثَّقافيَّة في خضمِّ الأنشطة الاجتماعيَّة الغلَّابة، فقد ذاب كذلك كلُّ همٍّ سياسيٍّ في عُبابٍ اجتماعيٍّ مُصطخِب، بقيادةٍ من ربَّانٍ ماهر من آل الطَّيِّب الذين حذقوا أساليب التَّضافر الاجتماعي، فتدرَّب على أيديهم ابنُنا عثمان الذي أنجح الرِّحلة بإحضاره أوَّلاً لوالدته وشقيقتي عفاف لمدينة سيدني، وبتنسيقه الحاذق لبرنامج رحلتنا إلى أستراليا بعونٍ لصيقٍ من زوجته ميَّادة ابنة فريال، مرشدِنا التَّكتيكيِّ إلى ليفربول التي لا تقبلُ الهزيمة (حتَّى لو جاءت من ريال). فشُكراً جزيلاً آلَ الطَّيِّب: فريال وميَّادة والأبناء الصِّغار؛ وشُكراً لإيمانَ وأيمن والأبناء والبنات فائزة وريناس وآية وأحمد؛ وفاطمةَ ومحمَّد آدم وسام الدِّين وزينب؛ وشُكراً لفاطمة الأخرى (فطومة) أخت علي ووالدها محمَّد الشِّيخ؛ ومنال وزوجها السَّموءل وأختها مها. وخلال رحلتنا القصيرة، لم نلتقِ بياسر الطّيِّب، لاشتدادِ العواصف بالعاصمة الأستراليَّة كانبرا؛ ولنفسِ السَّبب، لم نلتقِ بالشَّاعر عاطف خيري، رغم إلحاح بابكر الوسيلة المُسبق على تحقيق اللِّقاء، لكنَّنا استمعنا إلى صوتَيْهما واطمأنَنَّا على أحوالهما معاً. كما لم نسعد برؤية بكري جابر مرَّةً أخرى في مرسم غسَّان سعيد لتعرُّضه لنَوبةٍ من الفلو؛ ولنفسِ السَّبب، لم نلتقِ مرَّة أخرى بإبراهيم برسي (وزوجته إشراقة)، لكنَّنا استمعنا لاحقاً إلى صوتَيْهما واطمأنَنَّا على أحوالهما معاً. وفي ختامِ هذه المشاركة، يمكن القول بأنَّ الرِّحلة كانت لَمَّاً اجتماعيَّاً ناجحاً للشَّمل – فما أحوج البلاد قاطبةً إذاً لأن يُضْمَنَ بقاؤها في هذا المنعطف التَّاريخي الحرج بالاستناد إلى قاعدة لمِّ الشَّمل الاجتماعيِّ الشَّامل، عِوَضاً عن التَّشرذم السِّياسيِّ والانقسام الثَّقافيِّ، من غير أن يعني ذلك ضياع حقوق المظلومين أو إسقاط العقوبة عنِ الجناةِ بالتَّقادم؛ فالعدالة هي أسُّ الاجتماع البشري، وبانتفائها تتفرَّقُ البلادُ أيدي سبأ، هذا إنْ لم تخرَب تماماً خرابَ سوبا.