الأمنوقراطية ودهاء الانتفاضة

حيدر ابراهيم علي - 08-01-2011

نشر بتاريخ: 18 يناير 2011

استهواني في الفترة الأخيرة مفهوم الأمنوقراطية، لأنه أزال حيرتي في توصيف كثير من النظم السياسية العربية. فقد استعصى على تحليل وتصنيف أغلب النظم العربية، خاصة بعد أن تراجعت نسبياً عن الاعتماد الكامل على التعذيب ونوّعت في وسائل القمع. وكتبت كثيراً وكررت تقديم المفهوم، بقصد عرضه للمناقشة والنقد. وجاءت حركة التغيير في تونس لتعيدني إلى هذا المفهوم مجدداً، خاصة وقد دأبت على الاستشهاد بتونس وزين العابدين بن علي. والأهم من ذلك، طرحت سؤال التغيير أو كيف يمكن الانتفاض على نظام، وهو الذي كنا نظنه قادراً على التأمين المطلق لنفسه؟

جاءت انتفاضة تونس أقرب إلى عبور خط بارليف، وكأن المتظاهرين قد استعملوا المياه في هد الحاجز الترابي! كنت أظن دائماً أن الأمنوقراطية لا يسقطها إلا الكفاح المسلح أو الانتفاضة الشعبية المسلحة. وهذا بالمناسبة هو الرأي الذي ساد بين المعارضة السودانية خلال التسعينات من القرن الماضي، وكلفها غالياً. فالدرس التونسي مهم، وإن كان ما زال محفوفاً بالمخاطر وتهدده الرّدة والمؤامرة. ومن الصعب أن يستسلم أمنيون محنكون بهذه الطيبة والرقة، خاصة وهم يقضون حاجاتهم بالكتمان.

لقد أبدت الدول والمجتمعات العربية قوة عظيمة في القدرة على مقاومة التحول الديمقراطي، ورغم أن الحديث تجنب مفهوم الديمقراطية وشحنتها الدلالية، ومال الكثيرون إلى كلمة «الإصلاح» المخففة. وقد استقبلت دعوة الإصلاح، بحماس لفظي في البداية، ولكن سرعان ما لفها الإهمال والتناسي المتعمد. وهذا الوضع أعطى للأمنوقراطية الأفضلية والقبول الضمني. وفي الواقع الأمنوقراطي، يتم تشويش وتعتيم الديمقراطية وتلطيف الدكتاتورية، فهي سيرورة تعرض خلالها كل أشكال الديمقراطية ومظاهرها خاوية المضمون. وفي نفس الوقت تمارس دكتاتورية ناعمة تخفي وجودها المادي الخشن، وتسعى لكي تكون مثل الطاقة المستخرجة من مادة «يعرف الأثر دون الأصل المادي». ففي الأمنوقراطية يسعى عنصر الأمن إلا يجسد عمله عياناً، ولكن يترك أثره على تشغيل عمل الدولة. والفكرة قريبة من الظاهر والباطن لدى الصوفية، مع فارق السياق في كل حالة. فقد كان ظاهر وباطن عنصر الأمن موحداً، ولكن الآن لا يطابق ظاهره باطنه، فهو في الظاهر سياسي أو حزبي أو صحافي أو نقابي، ولكن في الباطن عقيد أو رائد أمن.

وهذا تطور جديد في الفضاء السياسي العربي يتشكل بسرعة وثبات، في عدد من الدول العربية، خاصة تلك التي حكمها العسكر، ويريدون الانتقال إلى مرحلة انفتاح نسبي لا يفقدون فيه سلطتهم ولا بعضها. وتقدم تونس والسودان النموذج الأقرب إلى التعريف المجرد. وتحت الضغوط الخارجية، وبالذات عندما طرحت الولايات المتحدة الأميركية في عهد بوش، مشروع الشرق الأوسط الكبير وظهور دعوة الإصلاح السياسي، استيقظت الدول العربية.

وبدأت الهرولة بحثاً عن المخارج، ونشطت نخب تفصيل الدساتير وتدبيج الخطب. وفي هذه الأجواء تفتقت عبقرية منظري الأمنوقراطية، فدعوا إلى الانتخابات، رغم أنه لا انتخابات بلا أحزاب حقيقية. وبالفعل تنامت موضة الانتخابات، وقام مهندسوها بوضع قوانين انتخابات محكمة التصميم، لا تتسرب فيها أي دائرة إلى الخصم، إلا برضاهم، وأصبح من العادي وجود عناصر أمن كنواب برلمانيين. والوضع السياسي غير منطقي تحت نظام الأمنوقراطية، بسبب الشكلانية التي تميزه، أي أنه شكل بغير مضمون. لذلك، ورغم وجود برلمان، يشكو الناس من غياب الديمقراطية، بينما في الأحوال العادية يعتبر البرلمان ضماناً للديمقراطية.

تختلف حقبة الأمنوقراطية عن الدكتاتوريات التقليدية النمطية، في طبيعة دور جهاز الأمن. ففي النظم الدكتاتورية العادية، يعمل الجهاز كأداة فنية مساعدة في استمرار واستقرار الحكم، ولكن في الأمنوقراطية يعمل الجهاز لحسابه الخاص أيضاً، باعتباره ندّاً وشريكاً في السلطة وليس تابعاً، ولا يرى نفسه تنفيدياً فقط، بل جزءاً من عملية صناعة واتخاذ القرار. وليس صدفة أو مجرد تهم معارضة، حين يشتكي البعض ان الجزء الأعظم من الإنفاق في الميزانية يذهب للأمن، وأن الصرف على جهاز الأمن يفوق بأضعاف ما يصرف على التعليم والصحة. ويعطي النظام الحاكم الأولوية بلا تردد للأمن، أو ما يسمى الاستقرار.

وكثيراً ما نجد من يفلسف الأمر بالقول: لا تنمية بلا أمن واستقرار. والبعض يحاول تأصيل الأمن دينياً، مستشهداً بالآية الكريمة: ؟فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟. ومن الملاحظ أن النظم التي تستولي على السلطة عن طريق الانقلاب، تعطي أولوية لبناء أجهزة أمنية فعالة بدعوى «حماية الثورة». وتصبح هذه الأجهزة على قمة المؤسسات، بسبب حصولها على أفضل الموارد والامتيازات.

هناك أسباب ثقافية واجتماعية ساعدت في صعود الأمنوقراطية، فقد مارست الدولة سياسة لا تخلو من ذكاء ومثابرة، وتتمثل في تطبيع النظرة لمن يعمل في الأمن وللعمل الأمني! وكان مثل هذه العمل مستهجناً وغير مقبول اجتماعياً، فهو يدخل في قائمة سلوكيات سالبة مثل التجسس والنميمة. كما أن الامتيازات جعلت أغلب كوادر الأمن تنتمي إلى طبقات متقدمة في السلم الاجتماعي. وقد مثل بن علي بامتياز رمز الأمنوقراطي، حسب دراسته وتدريبه والمناصب التي تقلدها.

وغالباً ما تنجز الأمنوقراطية أعمالاً صعبة، لأن النظم الأخرى تخشى النقد والاحتجاج. وهذا ليس من مشاغلها، لأنها تعتمد على ما يسمى «شرعية الإنجاز» في العلوم السياسية. ورغم ابتكارها أساليب القمع والاحتواء، فهي تهمل دهاء التاريخ أو ما نسميه: من مأمنه يؤتى الحذِر. فمن الخطأ التعويل على خوف الجماهير أو لامبالاتها الظاهرية، فهي لا تعبر عن مشاعرها الحقيقية حين لا تثق في الطرف الآخر، فتخدعه بالصمت أو الكذب أو تمارس التقية بطريقتها الخاصة.

فمن المستحيل أن تقبل التهميش أو الإهمال المتعمد، وهي تدرك أكثر من الحكام قانوناً في القمع يشابه قانون تناقص الغلة في الاقتصاد. فالقمع حين يصل حداً معيناً يتوقف مردوده عن الزيادة، فمهما تضاعف القمع لا تكون نتيجته فعّالة. وهنا تلجأ الامنوقراطية إلى ذهب المعز، أو سياسة الترهيب والترغيب أو العصا والجزرة، وهذا أقصر الطرق إلى الفساد والإفساد. وتخسر الأمنوقراطية كثيراً حين تقع في هذا المستنقع، فهذه تهمة تلاحق هذه النظم، خاصة بعد أن ظهر مفهوم الشفافية وأصبح يتقدم شروط الحكم الراشد. وظاهرة الفساد من أسرع الأدوات وأكثرها فعالية في حشد وتوعية الجماهير. وهناك قانون آخر، وهو أن نضوج الأزمة الثورية لا يحتاج بالضرورة إلى تنظيم، فقد تكون العفوية أكثر نجاعة وسرعة.



الكاتب: حيدر ابراهيم علي

حيدر إبراهيم علي مفكر وكاتب وعالم اجتماع سوداني تخصص في علم الاجتماع الديني وأفرد جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري لنقد الإسلام السياسي. اشتغل كذلك على فكرة التنوير والتحرير. ولد في 11/5/1943 بالقرير. في عام 1992 اسس دكتور حيدر إبراهيم على مركز الدراسات السودانية بالقاهرة. كتب دكتور حيدر إبراهيم على العديد من الكتب و المقالات و منعت السلطات السودانية معظم مقالاته الناقدة لهم كما منعت بعض من كتبه من التداول في السودان كان ما ابرزها: أزمنة الريح و القلق والحرية، سيرة ذاتية، سقوط المشروع الحضاري، أزمة الإسلام السياسي، الجبهة القومية في السودان نموذجاً، الامنوقراطية وتجدد الإستبداد في السودان، كتاب مراجعات الإسلاميين السودانيين كسب السلطة وخسارة الدين...