الإعلام.. ضِلع حُكومة الثورة المُعْوَج (1

فتحي الضو - 22-06-2021

بدر إلى ذهني سؤال عَرَضِي قبل الخوض في موضوع مَرَضِي، يقول السؤال: هل يمكن إلغاء وزارة الإعلام؟ وأعقبه سؤال آخر: ولماذا لا تُلغى وزارة الإعلام إذن؟ ولحقهما سؤال ثالث: وهل هناك ثمة جدوى من وزارة الإعلام أصلاً؟ بالطبع لن تتوقف التساؤلات عند هذا الحد، والحقيقة لو مضينا في هذا الدرب لما بلغنا لها أمداً. ولعل في ذلك دليل كافٍ على عمق الأزمة التي تعيشها الحكومة في إعلامها. وسواء - درت أو لم تدر - فقد أصبح يُشكل عبئاً ثقيلاً على الثورة، وصار بمثابة الضلع المُعوج الذي لن تصح معه الأبدان إلا بالكي، وهو آخر الدواء. لن نقول ما يقوله الشموليون بأن (الناس على دين إعلامهم) ولكن فقد بات واضحاً وجلياً لكل ذي بصرٍ وبصيرةٍ، أن الثورة وإن عَظُم شأنها، يمكن أن تؤخذ على حين غُرَّة من هذا الباب، بل قد يحدث ذلك والشمس في كبِد السماء!

من المعلوم أن معظم دول العالم الثالث تضج بحقائب وزارية للإعلام، في حين لا وجود لها في العالم الغربي، بل قد يرفع مواطنوه حواجب الدهشة والسخرية لمجرد سماع ذلك، ناهيك عن معايشة الظاهرة. ذلك لأن الاعلام في دول العالم المتقدم يتميز بالاستقلالية والمسؤولية والرقابة الذاتية طبقاً للقانون. وكلها صفات يفتقر لها إعلام دول العالم الثالث مما سلب هذا الإعلام صفته الأزلية التي تؤطره كسلطة رابعة، أي حذوك الكتف بالكتف مع السلطات الثلاث المعروفة: التنفيذية والتشريعية والقضائية. لكن تضاؤل هذا الدور المفترض أدى بالضرورة إلى تدجين الإعلام وجعله مطية للأنظمة الديكتاتورية توجهه كيفما اتفق!

المُلاحظ أن بعض الدول المتقدمة استعاضت عن وزارة الإعلام بتسمية هيئات بديلة، مثلاً في بريطانيا تُسمى (مكتب الاتصالات) وفي الولايات المتحدة الأمريكية تُسمى (اللجنة الفيدرالية للاتصالات) وفي فرنسا تُسمى (المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع) وهلمجرا. والمعروف إن الدعوة لإلغاء وزارات الإعلام ليست جديدة. لكنها تتزامن دوماً مع اندلاع الثورات الشعبية، ذلك لأن الثورات ترتبط في

المخيلة والواقع بمناخ الحريات والتمرد على المألوف. لهذا حاولت بعض الدول العربية تبني مثل هذه الدعوات في اعقاب ما سُمي (ثورات الربيع العربي) ولكن سرعان ما انطفأ بريق الدعوة وخبأ وهجها نتيجة إجهاض الثورات نفسها وتوجيهها للنقيض باختلاق حروب أهلية عبثية!

وإذا ما عدنا إلى مضاربنا، نجد أن لوزارة الإعلام وجعاً أزلياً في الواقع السوداني. إذ تمَّ تصميمها لكي تكون دائماً في خط الدفاع الأول عن الأنظمة الديكتاتورية والتي رزئنا بثلاثٍ منها، استهلكت جل سنوات ما بعد الاستقلال. ليس هذا فحسب بل كانت في ظل فترات الأنظمة الديمقراطية – مع قصرها – مجرد سقط متاع. وبين هذين المدارين طافت عليها تسميات عدة.. فهي مرة وزارة الإرشاد القومي، وثانية وزارة الاستعلامات والعمل، وثالثة تُلحق بها الثقافة، ورابعة تكتفي بالإعلام وحده لا شريك له. أما المُضحك المُبكي فقد تمثل فيما قام به الديكتاتور المخلوع جعفر نميري والذي لم يجد في نفسه حرجاً من ضمها لوزارة الداخلية!

لعل السؤال الذي يتداعى أمامنا: ما موقع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة التي بين ظهرانينا الآن في حكومة الثورة؟ لمَّا كان (الجواب يُعرف من عنوانه) كما يقول المثل الشعبي السائد، فإن الحال يُغني عن السؤال. لهذا سوف نحاول تسليط الضوء على الواقع لندع الوقائع تشرح نفسها، لربما أعان ذلك القارئ لكي يتوصل بنفسه للإجابة على التساؤلات أعلاه دون تعسف. ففي تقديري أن أكثر ما يبعث القلق في النفوس، هو موضوع العلاقة بين الدولة والمواطن، فيما لوحظ عدم معرفة المواطن بالكيفية التي تدار بها الدولة في كثير من الأحايين، وذلك لربما نتيجة نقص في الكفاءات أو المعلومات أو أشياء أُخر، على الرغم من أن هناك كثيرين حاولوا كسر هذا الطوق للوصول للحقيقة دون جدوى. وذلك إما نتيجة التجهيل المتوارث أو جراء كسل ذهني استحكم في العقول ونحن به راضون!

إن العلاقة الجدلية بين الدولة والمواطن هي التي حدت بنا لمحاولة معرفة الأسباب التي أدت إلى توقف قاطرة الثورة في (العقبة). فمنذ عامين أو يزيد ونحن ندور في ذات الحلقة المفرغة معرضين ثورة عظيمة – شهد لها العالم – للتواكل والتآكل والانهيار. ونعلم أن هناك كثيراً من المخلصين الذين أرَّقَهم هذا السؤال. وقد تتعدد الأسباب بما يقنع السامعين، وقد تكون تلك الأسباب نفسها انعكاس لصناعة الوهم، غير أني بت على قناعة كاملة في أن السبب الرئيس يكمن في كلمة واحدة: هي الإعلام. ذلك لأن الإعلام هو مرآة المجتمع - حكومة وشعباً - ولأن الإعلام بفروعه المعروفة.. المقروءة والمسموعة

والمرئية والرقمية هو من يضع تلك العلاقة الجدلية في مسارها الصحيح. كما أن الإعلام هو المناط به بلورة فلسفة الثورة التي استبسل من أجلها الشهداء.

كذلك ثمة فهم مغلوط في نظر بعض الناس لمفهوم الحرية، والتي تُعد الضلع الأول في شعارات الثورة المجيدة (حرية، سلام، وعدالة) فيظنون أن ما يجري أمامنا من سيولة (إعلامية) تندرج تحت باب تلك الحرية المعنية، في حين أنها الفوضى عينها. وإنها بمقاييس التحضر تعد عملاً تخريبياً مُضراً بالمجتمع. ولا أدري إن كان الظنانون يعلمون أن ألمانيا التي تعد أحد معاقل الديمقراطية تحرم تأسيس حزب نازي؟ بل إن الأمر قد تعدى الحدود الجغرافية الألمانية ووصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تجرم قوانينها الفيدرالية استخدام (الصليب المعكوف) وهو رمز النازية. ومالنا نذهب بعيداً فالجارة إثيوبيا يمنع دستورها منعاً باتاً تأسيس حزب يعيد تسمية لجان مانغستو هيلاماريام (الدرق) فهل شرعية الثورة السودانية أقل قامة من هؤلاء؟

من المفارقات أن وزارات الإعلام مع – علاتها – ارتبطت ارتباطاً عضوياً بالمظهر وليس الجوهر. ولهذا أظن أن أدولف هتلر كان متسقاً مع ديكتاتوريته حينما سماها (وزارة الدعاية). فهي التي صنعت منه ديكتاتوراً بالرغم من أنه تبوأ رئاسة (حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني) عن طريق الانتخابات. ولعمري هذا ما يؤكد خطورة الإعلام. نحن نعلم أن أي وزارة تتطلب وزيراً مُلماً بشئونها طبقاً لمقاييس الحد الأدنى إلا وزارة الإعلام حيث يعني الإلمام هنا أن يكون الوزير مثقفاً موسوعياً له حضور في الثقافة العامة والأدب والسياسة والجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والرياضيات (من كل روضة عينة ومن كل عينة زهرة) أو كما قال شاعرنا الفذ محمد بشير عتيق.

بهذا المنظور ولأن الثورة العظيمة تستلزم قدراً من الشفافية، فليخرج للملأ شاهراً تبريره من اختار وزير الإعلام الحالي لهذا المنصب. ويقول للناس لماذا وكيف تمَّ اختياره؟ فلربما رأى فيه ما لم نستطع أن نراه. أما نحن فقد رأينا فيه العجب العجاب، ظهر مرتين خلال أربعة أشهر منذ تعيينه، وهذه الفترة كافية وفق بيروقراطية الخدمة المدنية لتقييم أدائه، لكن الإشكالية أنه ليس هناك أداءً يُذكر حتى يتم تقييمه. فبمقاييس المظهر رأيناه يتتأتأ ويتلكأ ويتكأكأ في بضع كلمات لا يغنين ولا يسمن من ظمأ وجوع. أما من حيث الجوهر فبيننا وبينه حساب فهذه ثورة لا يعرف عظمتها إلا من كابدها ومشى فيها على طريق الأشواك!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!!
فتحي الضَّو
faldaw@hotmail.com