طبيعة الصراعات في الفترة الانتقالية

محمد بدوي - 02-09-2020

طبيعة الصراعات في الفترة الانتقالية ولاية كسلا ، شرقي السودان – نموذجاً



المتابع للشأن السوداني يمكنه رصد عدد من الأحداث المرتبطة بصراعات قبلية من حيث الأطراف خلال الفترة الإنتقالية في عدد من الولايات ،اَخرها تجدد الأحداث في الأسبوعين المنصرمين بولاية كسلا شرقي السودان ، الصراعات وإرتباطها بالعنف تُمثل إحدى السيناريوهات التي تواجه مسارات الفترة الإنتقالية ، طرق إدارتها من قبل السلطة بمكوناتها تثير القلق بما ينذر بإتساع نطاقها و لاسيما عند إستصحاب الأسباب المتراكمة التي تكشف عن إرتباطها بسوء إدارة الدولة خلال العهود المنصرمة وبشكل أخص الفترة التي سيطر فيها الإسلاميين علي السلطة والسياسات التي طُبقت لتعزيز استمرار السيطرة علي الحكم، ولابد من الإشارة إلي أن منهج الإسلام السياسي يفرز تعقيدات وإفرازات متداخلة وواسعة وعميقة تتطلب في المقام الاول الإنتباه إلي تحليل طبيعة الصراع وتقصي آثار ظاهرة العنف التي وجهت نحو المجتمعات المختلفة بأدوات وطرق مختلفة لفترات طويلة ، لذلك سأحاول في هذا المقال تقصي طبيعة الصراع والعنف في ولاية كسلا ومسبباته لكونه يمثل أحد النماذج تعقيداً في جملة المشهد .
أولاً : بالنظر إلي طبيعة الصراع في تقديري أنه يُمثل طبيعة سياسية وفقاً للأسباب الرئيسية المرتبطة به وهي السلطة كمحور وارتباطها بالتراجع الذي ساد شعارات في الثورة لإدارة الفترة الانتقالية حيث ظل شعار الإستناد إلي كفاءات وطنية هو الرائج في خضم التصريحات والشعارات ، قبل التحولات التي اعترت مواقف تجمع المهنيين السودانيين وتحالف قوي الحرية والتغيير وما آلت إليه الأوضاع في تعيين الولاة والذي انتهي بمحاصصات حزبية في ظاهرها بينما وجهها الاَخر إلتصق غلي حد كبير علي خلق موازنات إثنية أو قبلية في بعض الأقاليم، وهنا قفز الأمر برمته إلي مناهج التسوية السياسية التي تختلف في طبيعتها عن طرق إدارة الفترات الإنتقالية ولا سيما في حالة السودان التي تُمثل الفترة الإنتقالية فيه مرحلة يُمكن تصنيفها بالطوارئ في سياق دورة الأزمات .
ثانياً: الإصطفاف من قبل الأطراف بولاية كسلا جاء نتيجة لرسائل وحملات المناصرة التي صُممت ووجهت بشكلٍ قبلي مما جعل قاموس الصراع يجنح إلي التمييز والإقصاء في شكلٍ حاد حاول نسف العلاقات المرتبطة بالعيش المشترك التاريخي والحقوق الدستورية .
ثالثا:ً كشفت الحالة أيضاً عن الإلتصاق بين الفرد والقبيلة مقابل تراجع مفهوم المواطنة كنتاج لتراكمات السياسات والأسباب التي أشرنا إليها و في تراجع دور الدولة أو حكومات ما بعد الاستقلال من تقديم الخدمات والقيام بواجباتها وفقاً لعلاقة المواطنة بشكل عام، أضف إلي ذلك الواقع الذي ظل يرزح تحته شرق السودان كمنطقة شديدة التعقيد شهدت في التاريخ القريب بعض آثار تجربة العلاقة بين تحالف المعارضة التجمع الوطني الديمقراطي ١٩٩٤م – ٢٠٠٦م والخرطوم، و لا تزال تلك الاَثار ماثلة مثل واقع منطقة جنوب طوكر التي لاتزال تحت قانون الطوارئ بل تعتبر من المناطق التي بها مساحات من الألغام الأرضية لم يتم نزعها ، إلي جانب إستغلال الخرطوم لمجمل شرق السودان كمعبر لتهريب السلاح إلي حماس والحوثيين في وقتٍ سابق وتهريب البشر المرتبط بحالة دول الجوار، كل هذا يجعل من طبيعة العلاقة بين المجموعات الاجتماعية بالإقليم تشوبها الكثير من التعقيدات التي أثر فيها سلباً علي وجه الخصوص اَثار منهج الإسلام السياسي .
رابعا:ً اتساع نطاق العنف والاستجابة له شكّل انعكاس لتراكم سياسات السلطة السابقة وإعتمادها علي العنف ونشر ثقافته عبر سياساتها مستغلة كافة الوسائل الناقلة بما في ذلك الحكومية والموالية و غيرها لتُصدر حالة عامة من العنف كمشهد رئيسي مرتبط بالفضاء العام وممارسة الحقوق، ولعّل القهر العام الذي مورس عزّز من العنف المضاد مما يُفسر العنف المادي واللفظي في سياق الصراع بين الأطراف في أحد مستوياتها الداخلية ، بدلاً من مواجهه المركز كطرف أصيل في صناعة و إدارة الأزمات علي طريقة إختيار الجزء في إطار الكل في تحور للمشهد .
خامساً: بروز علاقات الأرض المرتبطة بالملكية والحيازة والنظم الأخري كأحد المحركات المقحمة في الصراعات محمولة علي مسألة الأصيل والدخيل المستلفة من القاموس الثقافي ولعّل إغفال قضية معالجة قوانيين ملكية الأراضي وتركها للملكية التاريخية الراسخة في الوجدان أحد المسببات الرئيسية و في ذات الوقت من المسائل الهامة التي تحتاج إلي مراجعة من قبل الدولة لأن إشتراك الصراعات في جهات جغرافية عديدة في الدولة تُشير بقوة إلي أن قوانيين الأرض التي تم تشريعها ولاسيما قانون سنة ١٩٧٠ لا يُلبي حاجة المجتمعات في تنظيم علاقة الأرض وأن التنظير له تم علي أساس فرقي إفترض تطابق علاقات الأرض في المركز السياسي مع بقية الأقاليم التي في مجملها شكلت علاقات الأرض فيها امتداد لقوانيين سابقة و أعراف مستمدة من شرعية السلطنات والممالك وغيرها التي سبقت تكوين دولة ما بعد الإستقلال الأمر الذي يُفسر ارتباطها المعنوي بالهوية لدي تلك المجتمعات وهي من ناحية ثانية تنبه الي أحداثيات المسافة بين مفهوم الدولة والهوية الوطنية التي تجاذبتها توجهات سياسية ، فحكومات ما بعد الاستقلال ظلت تغفل النظر إلي مسارات تكوين الهوية الوطنية والقفز عليها وأدلجة الهوية بعيداً عن واقع التكوين التاريخي والسياسي والجغرافي للسودان ، مع ضرورة الإشارة إلي أن عب ذلك نهض به من هم خارج مؤسسة السلطة الحاكمة ( من سودان ما قبل الإنفصال ) سواء أفراد أو جماعات ، حركات في الترويج و الدفع بالمبادارت و الرؤي للتأسيس لمنظور الهوية الوطنية .
سادساً: تراجع مفهوم الدولة في الأذهان نتيجة لغياب الحكم الراشد عزز من دور الإنتماء والمناصرة القبلية لتجبر حتي الرافضين ضميرا للصراع من الطرفين ليصبحوا جزءاً منه علي أساس الإنتماء القبلي ، ليُضاف إليها إغفال معالجات أزمات مثل التمييز المستند علي العرق والدين والمهنة والجغرافيا وغيرها لتشكل محركات إضافية مع إمتداد لتراكم آخر ارتبط بغياب الإنتباه إلي إبراء الجراح التي ارتبطت بفترة ما قبل وبعد الاستقلال التي شهدتا حركة تجارة الرق في العالم .
سابعاً: ربطاً للأحداث بتطورات الراهن إنه بعد عامٍ من الفترات الدكتاتورية المرتبطة بالإنقلابات العسكرية من فترة دولة ما بعد الاستقلال التي تبلغ 65 عاما عاد المشهد إلي تجربة أخري لم يغب فيها العسكر عن قمة السلطة، مما يجعل الصراعات تمثل أحد النتائج ذلك مع الأخذ في الإعتبار اتسام التجربة بغياب إرادة المكون العسكري في الوفاء بالإلتزامات المكتوبة سواء الوثيقة الدستورية أو تلك المرتبطة بالإلتزامات غير المكتوبة التي تعرف Gentlemen Agreement التي ظلت تحملها التصريحات الإعلامية من التزامات، ويمكن قياس ذلك عبر تتبع سيطرة العسكر علي الوزارات العسكرية والشرطية، من جانب ووضع القوات التي تحت إشراف الحلف العسكري فيها من نواحي دستورية وسياسية وإقتصادية ، فبالنظر إلي أحد نتاج ذلك الموقف السلبي المتمثل في التأخير غير المبرر عن قيام أو تشكيل المفوضيات التي بعضها وثيق الصلة بمعالجة الصراعات ، أضف إلي ذلك إشتراك غياب دور الشرطة في القيام بدورها إبتداءاً في كل الصراعات في الفترة الإنتقالية هذا مع التأخير غير المبرر في الكشف عن خطة تأهيلها للقيام بدورها لعّل ما يُثير الإهتمام هو تصريح وزير الإعلام السوداني الأستاذ فيصل محمد صالح في الثامن والعشرين من أغسطس 2020م عقب زيارته لولاية كسلا عن سبب عدم تدخل القوات الحكومية بأن السبب هو توتر العلاقة بينها و بين المواطن لأسباب متعددة مرتبطة بفترتي ما قبل و اثناء الثورة .
ثامناً: تصريح وزير الإعلام المشار إليه يُعزز من تقييم الشراكة السياسية (المدنيين والعسكر) بأن أحد نتائجها تحولت إلي سبب إضافي سالب في الصراعات وذلك بكونها انعكست في تحول ممارسة الحق في التعبير والتجمع السلمي للإقتران بالعنف في الفضاء الخارجي .
تاسعاً: شكل عدم وضوح العلاقة بين السلطة التنفيذية وتجمع المهنيين السودانيين وتحالف قوي إعلان الحرية والتغيير حالة تخبط حول ترتيب أولويات السلطة التنفيذية في مسألتي المحاسبة والسلام وإكمال الهياكل النتفيذية أيهما جدير بالتنفيذ في سياق المرحلة الإنتقالية أو بشكل آخر كيف يُمكن الإستناد إلي منهج للترتيب أو المواءمة أو الإدارة المتوازية في قيد زمني واحد لجميعها مما تسبب في تأخير إعلان السلطة المدنية مما قاد إلي إغفال ميزات اللحظة التاريخية المرتبطة بالثورات في تعزيز المكتسبات الإيجابية وفي تقديري أن ذاك التراخي قاد إلي فترة فراغ ظل يسيطر عليه الحكام العسكريون السابقون الذين تم تكليفهم قبل الثورة مما عزز من إرتقاء الخطاب القبلي لكون المشهد في الأقاليم ليس كما هو في الخرطوم من حيث تركز النشاط السياسي وملاحقة الإعلام له بما ظل يكسبها حيوية بل حتي إن التركيز الدولي المساند ظلت محوره .
عاشراً: كشفت الصراعات بشكلٍ عام وولاية كسلا بشكل خاص عن أن التحول إلي المدنية تُعيقه تراكم سياسات الهندسة الاجتماعية التي عملت عليها وزارة الشئون الاجتماعية في عهد الإسلاميين عبر توجيه العلاقة بين المجموعات نحو أسباب الصراعات حتي لا تستبين نقاط قوتها المستندة علي التنوع مما يجعل الإنتباه إلي تعديل قوانين الحكم المحلي إلي جانب القانونيين أن يستصحب خبراء الأنثربلوجي والحكم المحلي والإقتصادين من خبراء الموارد.
الحادي عشر: بالرغم من خطابات رئيس الوزراء التي يلتزم فيها منهج موضوعي دون رفع سقف الطموحات دون سند، إلا أن هنالك قضايا خارج إطار الإقتصاد والسلطة تتطلب قاموساً ومنهجاً آخر من الخطابات التي يجدر أن يضطلع بها خبراء من المساعدين مثل المرتبطة بالهوية الوطنية وأين تقف الآن؟ وماهو المطلوب للعبور بها؟ لأنها تُمثل إحدي المسائل الهامة تحت تفويض رئيس الوزراء ولاسيما أنه تمتع بقبول لم يحظ به أحد في تاريخ الدولة السودانية الحديثة مما تمثل نقطة قوة يجدر استثمارها إيجابا .
الثاني عشر: الإنتباه إلي دفع الجهود نحو صياغة أجندة وطنية تؤسس لخطاب وطني سوداني وتقديمه علي سباق الترويج للأجندة الخارجية ونظرية المؤامرة .
الثالث عشر: من الإيجابيات التي تُساهم في حل الصراعات هو وضع إستراتجية إعلامية لمخاطبة والتعامل مع الأحداث والمناصرة للحلول وفض الإشتباكات الذهنية السالبة وهو دور من صميم إختصاص وزير الإعلام ورئيس الوزراء لأنه بالنظر إلي المسرح الوطني هنالك غياب وتراجع للدور الإعلامي الوطني حيث التركيز بشكل غالب علي نشر الأحداث المرتبطة بالإنتهاكات في حالة جعلت الاعلام الوطني بشقيه الحكومي والمستقل في وضع العربة خلف الحصان فبدلاً من القيام بدورها شكلت إلي حد ما انعكاس للإعلام البديل "وسائل التواصل الاجتماعي" حيث يجدر أن يكون الوضع السليم هو العكس .
الرابع عشر: غياب شمول مناهج السلطة التنفيذية في التعامل مع الأحداث بحيث أن التحقيقات الجنائية وحدها لا يمكن أن تعطي الصورة الكاملة بل يتطلب إستصحاب مناهج أخري لتحليل الأحداث ومحركاتها الراهنة والسابقة وماتم من معالجات وهل هي ناجعة؟ أم محركات متجددة للصراع.
الخامس عشر : يجدر تشجيع الروافد المرتبطة بوزارة الأعلام و خارجها من الفنون في المساهمة الإيجابية لان مثل هذه الصراعات لا يمكن حلها بالقانون و الفصل الشرطي بين المتاصرعين بل تعلب الفنون دوراً مهماً فيه .
السادس عشر : ينبه الصراع إلي ضرورة إستصحاب التربية الوطنية في شمولها في مناهد التعليم بما يحقق الإعتراف ورد الإعتبار للجميع و يخلق التوازن المرتبط بإستشراف قوة التنوع .
السابع عشر : كشف المشهد عن تراجع تعزيز نقاط القوة الإيجابية لثورة ديسمبر العظيمة وغياب المبادرات غير الحكومية وعلي وجه الخصوص تجمع المهنيين السودانيين وتحالف قوي الحرية والتغيير إلي جانب الشخصيات الوطنية التي ظلت تقدم المبادرات و تسعي بين الأطراف بالمشتركات و الحلول .

أخيراً مجمل الأحداث تمثل أحد منعطفات الفترة الإنتقالية التي تتطلب النظر إليها بتروي لأنها تدفع إلي السطح المتراكم و الذي ظل جبراً تحت سلطان الرقيب السياسي ، فعلي السلطة السياسية و التنفيذية الإنتباه إلي أنه منذ بدء الفترة الإنتقالية ظل التعويل علي الزعماء السياسيين في تصدر المشهد مع عدم إستصحاب لدور الخبراء الوطنيين في المجالات المرتبطة .