هل تحتاج ثورة بهذا المجد إلى شركاء؟

حيدر ابراهيم علي - 15-12-2020

أثناء تصاعد المقاومة في بيروت كان الثوار مشغولين بتصعيد القتال بينما انشغل انصرافيون في تحليل طبيعة القوى التي تقاتل، أطلق الشاعر مظفر النواب قصيدة من روائعه وقد استوقفني هذه الأيام بيت في قصيدة قال فيه الشاعر:
كيف يحتاج دم بهذا الوضوح إلى معجم طبقي لكي يقهره.
وقد تساءلت بدوري هل تحتاج ثورة مجيدة مثل الثورة المجيدة مهرها دماء الشباب إلى مجلس شركاء وهذه في حد ذاتها تسمية بائسة لذلك جاء قرار التشكيل يذكر بقرار (بند العطالة) الذي أصدره طيب الذكر الهندي حين خلق وظائف لشباب عاطل والآن خلق القرار وظائف لسياسيين عاطلين فهذا المجلس مثل الزائدة الدودية في الجسم البشري ليس له أي وظيفة ويمكن استئصاله أو تجاهله!
وحين تساءل الناس عن مهام وصلاحية المجلس جاء في التوصيف الرسمي: (مهمة المجلس حل التباينات في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة)، أي مجلس أجاويد بين قوى الثورة التي يفترض أنها تمتلك برامج واضحة وعلى ضوء هذه البرامج تتم تسوية التباينات بلا وساطة وأجاويد. وعلى ضوء هذه البرامج تتم تسوية التباينات بلا وساطة وأجاويد.
جاءت طريقة الإعلان عن التشكيل لتعلن استقواء المكون العسكري وعدم احترامه للشراكة بعد أن أظهر المكون المدني كثيراً من الاستكانة والضعف. لماذا لم يظهر رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء في مؤتمر صحفي مشترك يتم فيه إعلان التشكيل والمناقشة من قبل الحضور. ولكن الفريق البرهان لا يقف عند هذا الحد بل يقوم في احتفال عسكري ولأجهزة الاعلام بوصف الحكومة الانتقالية بأنها عاجزة! وتساءلت هل لا يلتقي سيادة الفريق بـ(د. عبد الله حمدوك) ليقول له هذا النقد مباشرة. ولكن لاحظت أن المكون العسكري مولع بالظهور في أجهزة الإعلام والإدلاء بمثل هذه التصريحات الاستفزازية والعدائية وقد فعلها قبل ذلك كباشي ثم ياسر العطا مع لجنة إزالة التمكين. بفضل العسكر هذا النوع من الاستعراض والإثارة السياسية أشبه بالاستريبز السياسي بعيداً عن الفكر والتأمل والتأني وهذا خطر مقيم على العملية السياسية والتحول الديمقراطي.
أكرر أن المؤسسة العسكرية أمام خيارين لا ثالث لهما. أن تكون جزءا من القوى الحديثة الداعمة للتطور الديمقراطي، أو أن تظل مهدداً مستمراً للديقمراطية والوحدة الوطنية فرحة بالسلاح الذي تمسك بها وتعتبره إضافة في أي صراع سياسي، يضاف إلى ذلك أنها تستقوى هذه الأيام بظهور طابور خامس يقف ضد الثورة رغم التسمية المضللة التي يحملها، ولكن تظهر فيه بعض القيادات التي لا يخفى تعاطفها مع النظام البائد والإسلامويين بلغة ماكرة وخبيثة.
في الختام، لم يعد هناك أي مجال للتدليس والغش من قبل الطابور الخامس الذي تغلغل في أعلى أجهزة الثورة ويعمل على إجهاض الثورة من داخلها وهنا لابد لأصحاب المصلحة الحقيقية لنجاح الثورة خاصة شباب المقاومة من الوحدة وتحديد رؤية واضحة للمستقبل والتنظير للسودان الجديد المطلوب على أسس فكرية موضوعية تفهم التاريخ وتستشرف القادم، وعليها أن تقوم بالهجوم المستمر على الثورة المضادة ولأن طباع وأخلاق تلك الفئة اللؤم والخبث لا بد من أن نجعلها في حالة خوف ورعب مستمرين ودفاع عن النفس وأن تتم مطاردتهم إعلامياً وسياسياً وهذه هي أيضاً مهمة المجتمع المدني الديمقراطي والتقدمي والذي يجب ألا يتحول إلى جمعيات خيرية تستجدي المانحين وتنفذ أجندتهم. الوطن يعيش مرحلة تاريخية حرجة تستوجب حشد كل قوى الحرية والتنوير لحماية هذه الثورة المجيدة دون شركاء أو انتهازيين ومتسلقين ويجب أن نجعل سلاح الثورة صاحي والثورة مستمرة ومتجددة وكل يوم وهي في شأن.*



الكاتب: حيدر ابراهيم علي

حيدر إبراهيم علي مفكر وكاتب وعالم اجتماع سوداني تخصص في علم الاجتماع الديني وأفرد جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري لنقد الإسلام السياسي. اشتغل كذلك على فكرة التنوير والتحرير. ولد في 11/5/1943 بالقرير. في عام 1992 اسس دكتور حيدر إبراهيم على مركز الدراسات السودانية بالقاهرة. كتب دكتور حيدر إبراهيم على العديد من الكتب و المقالات و منعت السلطات السودانية معظم مقالاته الناقدة لهم كما منعت بعض من كتبه من التداول في السودان كان ما ابرزها: أزمنة الريح و القلق والحرية، سيرة ذاتية، سقوط المشروع الحضاري، أزمة الإسلام السياسي، الجبهة القومية في السودان نموذجاً، الامنوقراطية وتجدد الإستبداد في السودان، كتاب مراجعات الإسلاميين السودانيين كسب السلطة وخسارة الدين...