فتحي الضو


الكتابات

سألني أحد القراء الكرام قائلاً: لماذا تكتُب عن الأستاذ محمود محمد طه باستمرار وأنت لست (جمهورياً)؟ عجبت من قوله وأجبته إن ذلك صحيح جزئياً، فقد دأبت على الكتابة عنه بين الفينة والأخرى منذ استشهاده، وليتني استطيع أن أكتب عنه كل يوم، لعل ذلك يفيه بعض حقه علينا. قال: وما حقه علينا؟ قلت له: إن نُخلِّد ذكراه كسوداني أولاً، لأنه علَّمنا ما لم نكن نعلم في حب الوطن، فقد استرخص روحه وافتداه. وكإنسان ثانياً،...

يُعد مصطلح (الجنجويد) من المصطلحات الحديثة التي دخلت القاموس الشعبي السوداني. وقد ارتبط ظهوره بالعُصبة البائدة عندما كانت تخوض حرب الإبادة الجماعية في دارفور. وبحسب المخيلة الشعبية فالتسمية تُعزى أساساً للقوة الباطشة التي يستخدمها أناس كالجن، لا تعرف الشفقة ولا الرحمة طريقاً نحو قلوبهم، وضحاياهم أناس بسطاء، يفترشون الثرى ويلتحفون السماء ويأكلون من خشاش الأرض. لهذا ليس غريباً أن يستدعي تفسير المصطل...

في إطار سلسلة حوارات كنت قد أجريتها مع قيادات الأحزاب السياسية بعد انتفاضة أبريل، حاورت الزعيم الراحل محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني. وكان ذلك تحديداً في أوائل شهر سبتمبر 1985م وخلال الحوار كنت قد وجهت له السؤال التالي: (كشفت نشرات التجمع الوطني عن ميزانيات مخيفة لأجهزة نظام نميري. وبما أن الحكومة أعلنت عن ترشيد الإنفاق، فلماذا لم ينعكس ذلك على الوضع المعيشي للمواطنين؟). أج...

بمناسبة مرور عامين على ثورة ديسمبر المجيدة، كان احتفائي بها محصوراً بين التأمل في واقعنا الراهن وما كان عليه الحال قبل الثورة، وبالطبع كلاهما لمختلف جدا. سيجد المرء كثيراً من الفوارق التي تتعدى دوائر التبسيط المُخل. فالأمر أبعد من تغيير سياسي من نظام ثيوقراطي ديكتاتوري مارس كل أنواع الانتهاكات إلى نظام انتقالي كسيح. ولكن مع تعثره يأمل أن يفتح الباب لتأسيس نظام ديمقراطي كامل، لأن بحدوثه يكون السودا...

كتب زميلنا وصديقنا المُبجل محمد علي صالح مقالاً جاذباً الأسبوع الماضي في صحيفة الواشنطن بوست. حكى فيه عن تجربته وأسرته مع وباء الكورونا (كوفيد19) والواشنطن بوست كما هو معروف صحيفة ذائعة الصيت في جميع أنحاء العالم. وزميلنا الذي أُكنيه (شيخ الصحافيين) يستحق هذا اللقب عن جدارة مهنياً وثقافياً وأخلاقياً. فهو على مدى أكثر من نصف عمره ظل يرفد الصحف الأمريكية بموضوعات شتى، ذلك إلى جانب وظيفته الراسخة في ...

كانت هناك كثير من القواسم المشتركة بين كل النُعاة. لم يختلف فيها أحد عن أن خُلقه وأدبه وتواضعه كان سمة بارزة في سلوكه. ولم يقل أحدٌ إنه كان غضوباً أو متعالياً أو متعجرفاً أو مزدرياً غيره، لا سيما، وقد جانب ذلك ببراعة في بيئة كان يمكن أن تهيء له كل ذلك عنوةً، إلا أنه مضى في طريق آخر رسمه لحياته بنهج طالما سهر الخلق جرائه واختصموا. ...

حرب الإخوة (الأعدقاء) | undefined

لم يشاء أن يطرح الموضوع في الاجتماع الرسمي لمجلس الوزراء، فانتظر حتى انتهى الاجتماع الذي كان بخصوص مناقشة الميزانية العامة في يوليو 1983م وحينها كان الحديث يدور همساً عن مجاعة محتملة ستشهدها البلاد. فقال: عندما شرحت الأمر للرفيق الكولونيل مانغستو وأكدت له أن الأزمة تتطلب منَّا تخصيص أموالاً إضافية لمضاعفة الاستعدادات، أجابني بصرامة لم أعهدها منه، بل ما كنت أُظن أن الأيدولوجيا التي تجمعنا معاً ستعل...

سألت نفسي وربما تساءل الكثيرون مثلي: لماذا تبدو (اتفاقية جوبا للسلام) باردة كجثة هامدة ماتت قبل أن تُولد أو بالأحرى قبل أن تُطبَّق عملياً؟ بصورة أخرى لماذا يبدو الانفعال الشعبي بها ضئيلاً، لا سيَّما في مناطق النزاعات والحروب؟ بدليل أنه لو قُدر لك أن تستفتي رهطاً من الناس حول نصوصها، لما وجدت من يُعطيك إجابة شافية. بل أصدقكم القول إنني قرأتها على عجل من باب الإحاطة بالشيء ولا الجهل به. فقد علمتنا ت...

يفر السودانيون من الكذاب فرار السليم من الأجرب، ولكن هذا لا يعني كلهم من جنس الملائكة، فالكذابون بيننا كُثر خاصة وسط فصيلة السياسيين، حيث يكثُر الأنبياء الكذبة. ولكن أن يكون قاسماً مشتركاً بين بعض من دخل (قصر غردون) فذلك لعمري ما يدعو للدهشة والرثاء. أثناء إعدادي كتابي الأخير (الطاعون) وردت إليَّ معلومة فحواها بحسب ما ذكرت في صفحة 32 ما يلي: (استهلكت زمناً ليس بالقليل استقصي في أي وسط أعلم فيه من ...

يقول الراوي: (أُنظر إلى هذه المدينة كم هي كبيرة.. واسعة.. تكاد تتسع للعالم كله.. ورغم هذا تضيق بي، ترفض أن تعطيني مقعداً واحداً أتكئ عليه.. هذه المباني السامقة.. هذه السيارات الأنيقة.. هذا الوجود المُترف المُتحرك.. إنني لا أملك فيه شيئاً. لا أملك إلا النظر إليه.. مجرد النظر من بعيد.. إنني لا أملك حتى حق المُتسول.. فالمُتسول إنسان عامل.. وأنا عاطل وغريب.. ولقد كنا نعيش على الأحلام والمُنى.. ما أجمل...

نعلم تماماً صعوبة مراحل الانتقال في حياة الشعوب، لا سيِّما، تلك التي رزئت بديكتاتوريات دموية، كتلك التي ناءت بكلكلها على صدورنا لثلاثين عاماً حسوماً. ولهذا نحن نقدِّر الظروف القاسية التي تمر بها الحكومة الانتقالية ولا نقول الثورة. ذلك لأن الحكومة إلى زوال والثورة باقية ما بقي الوطن على وجه الأرض. ونعلم كذلك من هم المتربصون من الفلول، الذين يحيكون الدسائس والمؤامرات آناء الليل وأطراف النهار، ولا يم...

نحن أضعف (خلق الله إنسانا) إزاء السلطة وبريقها وصولجانها. نحبها حباً جماً وندَّعي البراءة. ليتنا اعترفنا بهذه الخطيئة التي رزحنا في جحيمها زمناً طويلاً. فلربما فتح الاعتراف لنا بابين، الأول لمعرفة الأسباب، والآخر لاستكناه الحلول. لكن الذي لن ينتطح فيه عنزان، هو تفسير الظاهرة بواحدٍ من اثنين، إما لأسباب نفسية (سايكولوجية) أو نتيجة لعوامل سلوكية اجتماعية تربوية. وأياً كانت المبررات فمن المؤكد أن ورا...

ليس من شيمتي التعقيب على ما يُدلي به الأفراد الناشطون في حقل السياسة، إلا فيما ندر. وذلك لقناعتي أن لدينا في ثقافتنا السودانية إشكالية بنيوية كبيرة جداً فيما يتعلق بإدارة حوار مُثمر يجنح نحو العقلانية، ويتسامى عن سجالات المنتصر والمهزوم، ويفضي إلى نتائج إيجابية مفيدة. وعوضاً عن ذلك فنحن بارعون في ثقافة كسر العظام. غير أنني سوف أغض الطرف عن المنهج المذكور في هذا المقال، لأعلق على حديث هام أدلى به ا...

بيد أن اللافت للنظر ما تلاه وزير العدل نصر الدين عبد الباري من قرارات ذات نفس ثوري يشع العافية في البدن العليل. انطوت القرارات على عقوبات مشددة، قفزت ببعضها إلى الحكم بعشر سنوات سجناً عوضاً عن الحكم بالسجن شهراً، إضافة للعقوبات المالية والمصادرات...

على هامش موضوعنا الأساسي في هذا المقال، سألني بعض القراء والأصدقاء عن سبب ما اسموه عزوفاً عن الكتابة مؤخراً. قلت لهم: الحقيقة لا يعدُ هذا عزوفاً بالمعنى المتعارف عليه، ولا الذي تواثقنا عليه أيضاً، ولربما بمنطلقات واقع نعيشه قد يوقعنا تفسير كهذا في شباك المحظورات التي يتمناها الذين انغصوا علينا حياتنا. وعليه نقول إنه محض توقف مؤقت، لربما كان تأملاً في ظروف أملتها الضرورات. ولكن أياً كانت التأويلات،...

عودة النهر إلى المنبع | undefined

لم يدهشني الذين نظروا إلى مؤتمر برلين من زاوية العائد (الدولاري) وطبقاً لذلك طفقوا يُبخِسون الإنجاز تارة، ويختزلون أهدافه تارة أخرى. ولأن عيونهم دأبت على نكران ضُوء الشمس من رمدٍ، لن يروا الصورة الحقيقية لحدث يعد الأضخم في تاريخ السودان المعاصر، وتحديداً منذ أن رمينا بحثالات نظامهم البائد في مزبلة التاريخ. أما إخضاع القيم والمبادئ والأخلاق للمعايير (الدولارية) فتلك منغصة جُبل عليها الزنادقة الملتح...