فتحي الضو


الكتابات

ثمة طُرفة مُتداولة أعجبتني وأضحكتني كثيراً. تقول إن سودانياً بسيطاً لديه ابن وحيد اسمه جبريل. وعندما اشتد عود الفتى راح يبحث عن رزقه في أرض الله الواسعة، إلى أن استقر به المقام في أمريكا وتحديداً في مدينة نيويورك المعروفة بمبانيها الشاهقة (ناطحات السحاب) ولمَّا طال غيابه وانقطعت أخباره، لحق به الأب وطفق يبحث عنه علَّه يظفر بعودته. وهناك بات يسأل عنه من غير هُدىً، إلى أن وجد سودانياً آخراً يعرفه وع...

قد يبدو عنوان هذا المقال كلاسيكياً في شطره الثاني، ولكنه واقعياً على أية حال. فالمتابعون للشأن السوداني اعتادوا أن يروا شقه الآخر القائل: من يَحكم السودان؟ وهو التساؤل الذي كثُر تحديداً إبان الديكتاتورية البائدة، نسبةً لتعدد أجنحتها المتسترة بالدين والمتفانية في تأسيس دولة الظلم والفساد والاستبداد. وتحت هذه المظلة لم تترك من الموبقات شاردة ولا واردة إلا وأنزلتها على الأرض. وبالتالي صار ذلك التساؤل...

أشهد أن حديث هذه السيدة يمنحني طاقة لا استطيع وصفها، استمع لها كلما شعرت بتكاثر الهموم حولي وأمواج الإحباط تطاردني، بل أكرر السمع مرات ومرات لكي أعيد لنفسي توازنها، فأنظروا ماذا قالت: (أنا بالنسبة لي القصاص كأم شهيد.. قُصي طبعاً عنده أولياء الدم غيري أنا، وعنده الشعب السوداني، اللهو في النهاية لازم يقول كلمته. أنا بنتظر الشعب السوداني يقول عايز شنو؟ لكن أنا كأم شهيد شايفه القصاص بالنسبة لي تحقيق ش...

كتبنا كثيراً وقلنا إن فلول البغي والعدوان تتربص - باسطة ذراعيها بالوصيد - وتعمل جاهدة على إرباك المشهد السياسي بضعضعته وإضعافه بغية إسقاطه حتى وإن كان ذلك ضرباً من ضروب الوهم. بل سيقول من عرف شطحات ونطحات أزلام الحركة الإسلاموية إنها الكوميديا السوداء عينها. إذ كيف يمني النفس من نال نصيبه من كآبة المنظر وسوء المنقلب ويحلم بإعادة سلطة فاجرة. وقد لاحظت في خططهم الجهنمية تلك استهدافهم رموز الحكم، سوا...

السودانيون الذين عاشوا الحياة قبل أن يهبط علينا الجراد الصحراوي يتحدثون دوماً عن الزمن الجميل، وهو بالفعل كذلك. ولا أظنهم يعنون بساطة الحياة وحدها، وإنما يقصدون القيم والمثل والأخلاق التي كانت تجمع بينهم وجعلت للحياة معنى، يأسى المرء ويحزن على اندثارها، وذلك ليس من باب الحنين إلى الماضي (النستولوجيا) واستدرار العواطف، ولكنها الواقعية الممزوجة بالألم الذي يقطع نياط القلوب. لم نكن ملائكة ولكننا قطعا...

كنت قد حددت موقفاً شخصياً في عدم متابعة محاكمة فلول النظام البائد، ومرد ذلك لقناعتي أنها دون الطموحات التي اندلعت من أجلها ثورة ديسمبر المجيدة. غير أن صديقاً عزيزاً ألح عليَّ أن أشاهد وقائع (الحلقة) التي بُثت الأسبوع الماضي، فامتثلت لطلبه واقتطعت ساعتين ثمينتين من وقتي لمتابعتها. والحقيقة ذُهلت واندهشت وفُجعت على الرغم من علمي أن الذين أشاهدهم فاقوا سوء الظن العريض، كما قال عنهم الأستاذ المفكر محم...

العنوان أعلاه كان لمقال بقلم صديقنا الراحل الدكتور أحمد الربَعِي – طيب الله ثراه – ضمن سلسلة مقالاته الأسبوعية الراتبة في مجلة (المجلة) السعودية التي تصدر في العاصمة البريطانية لندن، وكان في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي. عقب التوقيع على (معاهدة أوسلو) بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993م. وهي الاتفاقية التي أدخلت القضية الفلسطينية عش الدبابير وما تزال لسعاتها تت...

أسرتني تلك العبارة الرشيقة التي ذرَّها على سمعي، أثناء حديث شفيف جرى بيننا في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا في أغسطس عام 1989م، أي عقب بضعة أيام من نازلة انقلاب الطغمة العسكرية الإسلاموية الحاقدة. قالها لي الصديق الراحل منصور خالد – طيب الله ثراه – وكأنه يترنم بقصيد من الشعر: (لو كانت الشعوب تُجزى بقدر تضحياتها لاستحق شعب السودان الفردوس جزاءً) ومنذ ذاك الزمن وقَرَت تلك العبارة في قلبي وعقلي معاً. ...

جرت عبارة (الشيطان يكمن في التفاصيل) The devil in the details على ألسنة الفِرِنجة كقول مأثور لا يحمل بُعداً دينياً كما يتراءى لبعض الناظرين، بقدر ما هو عبارة عن فذلكة ذات أبعاد فلسفية. وقد استخدمه كثير من (الفلاسفة الوجوديين) أمثال فردريك نيتشة وجون بول سارتر والبير كامو وآخرون. ثمَّ أصبح فيما بعد كثير المداورة بين الناس يتداولونه كيفما اتفق. ويقال للتعبير عن شيء يبدو بسيطاً وجاذباً في مظهره، لكنه...

ثمة مثل شائع يقال له (وعد عُرقوب) ضُرب في رجل بذات الاسم وكان كذوباً كثير الوعود ونقضها. قصده شقيقه ذات يوم وطلب منه مالاً، وحينها كان عُرقوب يمسك بفسيلة نخل يريد زراعتها فقال لأخيه: عندما تثمر هذه النخلة سأعطيك طَلعها. وعاد إليه الأخ بعد أن أثمرت فقال له عرقوب: دعها تبلح. ورجع إليه مرة ثالثة بعد أن أبلحت، فقال له: دعها حتى تصير زهواً، فـانصرف الشقيق وعاد بعد أن زهت النخلة يسأله وعده، فقال له: دعه...

تحتال النُخبة السياسية وتلتف حول خيباتها المُتوارثة بفرية سمتها (التسامح السياسي السوداني) وفي حقيقة الأمر هو مُصطلح هُلامي ومُضلل، إذ لا وجود له على أرض الواقع البتة. وقد ابتدعته النخبة أساساً للتحايل على شهوة السلطة التي أدمنتها، ويروج له المجرمون تحديداً لأجل الإفلات من العقاب، خاصة عندما تتعاظم جرائمهم التي تستوجب المحاسبة. تلك البدعة أدت إلى تعقيدات المشهد السياسي، وجعلت البلاد ترزح تحت وطأة ...

هناك مآسٍ لن تُنسى وإن تطاول عليها الزمن، فالقيم الأخلاقية التي عمل (الإخوان المُسلمون) على تدميرها لا تُحصى ولا تُعد، منذ أن ناؤوا بكلكلهم على ظهر الشعب السوداني، وتمطوا فيه لسنواتٍ عجافٍ. وهي المهمة التي ألبسوها ثوب القُدسية، وانبروا لها بهمة من أمَن العقاب فأساء الأدب. وقد نجحوا في ذلك نسبياً، إذ جذبوا لحياضهم بعض ضعاف النفوس - ترهيباً وترغيباً - فشاركوهم الضراء بُغية توسيع دائرة الفساد المادي ...

بعد تجربة مريرة ومؤلمة وقاسية، لن تجد من هو أقدر من الشعب السوداني في الشهادة على انحطاط من سموا أنفسهم (الإخوان المسلمين) وتسموا بأسماء عدة تملقاً وتزلفاً وخداعاً لمداراة سوءاتهم وما خُفي أعظم. وتلك تجربة تركت بصماتها الموجعة في النفوس، وأكدت بما لا يدع مجالاً للشك، أنهم أسوأ ظاهرة مرت على السودان وأهله، بما احتوشته من استغلال بشع للدين وإهدار مريع للقيم التي نهل منها الشعب السوداني ثقافته وأصالت...

طفرت من عيني دمعة وأعقبتها زفرة حَرَّى حتى شعرت بمرارتها وحرقتها تنهش حلقي كأنها العلقم. ولا أظن أنني وحدي، بل من المؤكد قد شاركني الشعور نفسه كل من شاهد البروفسير مأمون محمد حسين يغالب دموعاً كظمت الغضب في جوفه حتى أصبح لا يقوى على الكلام. كان البروفسير الثمانيني يسرد مأساة تعرَّض لها قبل أكثر من ثلاثين عاماً على يد زبانية الحركة الإسلامية فيما سُمي (بيوت الأشباح) وللدقة لم تنهمر دموعه عندما كان ...

دأبت وغيري على إضفاء شتى النعوت السالبة على جماعة الإسلام السياسي، التي تُسمي نفسها خطلاً وكذباً (الإخوان المسلمين) ومن المفارقات أن ذلك وصف انتقدته تريزا ماي رئيس وزراء بريطانيا السابقة في خطبة مؤثرة ألقتها أمام أعضاء البرلمان الأوروبي قبيل استقالتها الأخلاقية من المنصب، إذ قالت: (يسمون أنفسهم الإخوان المسلمين وهم ليسوا بإخوان ولا هم مسلمون) وحينها قلت لها في سري حتى أنتِ يا تريزا! ذلك لأن الشهاد...

على إثر إعلان الحكومة الجديدة تخلَّقت وتبلورت ثلاثة تيارات في أوساط الرأي العام، وقد أخذت حيزاً كبيراً في النقاشات والحوارات والتحليلات مداً وجذراً. ويُعد ذلك أمراً طبيعياً بالنظر للظروف القاسية التي يمر بها الوطن منذ الإطاحة بديكتاتورية الأبالسة. فالتيار الأول رواده هم المتفائلون، خليط من المثاليين والبراجماتيين يرون أن الخروج من الأزمة مسألة وقت. التيار الثاني على النقيض تماماً، وهؤلاء هم المتشا...

احتجت طائفة من المسلمين أثناء خلافة عثمان بن عفان وتمردت عليه، بدعوى أنه يُحابي عَصَبته من بني أمية، أي ما يُعرف راهناً بمصطلح (المحسوبية) Favoritism وتطورت الأحداث بصورة دراماتيكية وأفضت إلى محاصرته في بيته، وتطاول أمد الحصار إلى أن بلغ الأربعين يوماً. وكان مطلب المُحاصِرين الوحيد حتمية تنازله عن الإمارة. ومع اشتداد الأزمة طلب منه بعض مشايعيه أن يفعل، فقال قولته التي سارت بها الركبان (لن أخلعن ثو...

مثل كل الحُواة لن يعوز العُصبة المُندحرة إعادة إنتاج حيلهم وأساليب الفهلوة التي درجوا عليها طيلة سنوات حكمهم المشؤومة. إذ طفقوا يتباكون الآن ويرمون الآخرين بممارسة الإقصاء ويوصمونهم بالفشل، في حين أن ذلك من صُنع أيديهم. ولا يخفى على أحد أن أفعالهم هذه تنم عن ضربة استباقية هدفها ترهيب وترعيب الخلق من مآلات أن تأخذ الثورة مداها. وفي نفس الوقت يظنون أن ذلك سيكفل لهم استدرار عواطف الناس والظهور بمظهر ...

في إطار حالة السيولة التي تجتاحنا في كل شيء، وبينما القوم يتطلعون لولادة حكومة طال انتظارها، لفت انتباهي حديث أدلى به السيد مجدي عبد القيوم لصحيفة الحداثة يوم 18/1/2021م والذي وصفته الصحيفة بالقيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير وعضو لجنة الترشيحات. وكلاهما موقع تُرفع لشاغله القُبعات. قال: (إن التحالف ليس مؤهلاً الآن لاختيار مجلس وزراء، لا من حيث الهيئات المعنية بهذا الأمر، ولا كحاضنة سياسية) ولعمر...

سألني أحد القراء الكرام قائلاً: لماذا تكتُب عن الأستاذ محمود محمد طه باستمرار وأنت لست (جمهورياً)؟ عجبت من قوله وأجبته إن ذلك صحيح جزئياً، فقد دأبت على الكتابة عنه بين الفينة والأخرى منذ استشهاده، وليتني استطيع أن أكتب عنه كل يوم، لعل ذلك يفيه بعض حقه علينا. قال: وما حقه علينا؟ قلت له: إن نُخلِّد ذكراه كسوداني أولاً، لأنه علَّمنا ما لم نكن نعلم في حب الوطن، فقد استرخص روحه وافتداه. وكإنسان ثانياً،...

يُعد مصطلح (الجنجويد) من المصطلحات الحديثة التي دخلت القاموس الشعبي السوداني. وقد ارتبط ظهوره بالعُصبة البائدة عندما كانت تخوض حرب الإبادة الجماعية في دارفور. وبحسب المخيلة الشعبية فالتسمية تُعزى أساساً للقوة الباطشة التي يستخدمها أناس كالجن، لا تعرف الشفقة ولا الرحمة طريقاً نحو قلوبهم، وضحاياهم أناس بسطاء، يفترشون الثرى ويلتحفون السماء ويأكلون من خشاش الأرض. لهذا ليس غريباً أن يستدعي تفسير المصطل...

في إطار سلسلة حوارات كنت قد أجريتها مع قيادات الأحزاب السياسية بعد انتفاضة أبريل، حاورت الزعيم الراحل محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني. وكان ذلك تحديداً في أوائل شهر سبتمبر 1985م وخلال الحوار كنت قد وجهت له السؤال التالي: (كشفت نشرات التجمع الوطني عن ميزانيات مخيفة لأجهزة نظام نميري. وبما أن الحكومة أعلنت عن ترشيد الإنفاق، فلماذا لم ينعكس ذلك على الوضع المعيشي للمواطنين؟). أج...

بمناسبة مرور عامين على ثورة ديسمبر المجيدة، كان احتفائي بها محصوراً بين التأمل في واقعنا الراهن وما كان عليه الحال قبل الثورة، وبالطبع كلاهما لمختلف جدا. سيجد المرء كثيراً من الفوارق التي تتعدى دوائر التبسيط المُخل. فالأمر أبعد من تغيير سياسي من نظام ثيوقراطي ديكتاتوري مارس كل أنواع الانتهاكات إلى نظام انتقالي كسيح. ولكن مع تعثره يأمل أن يفتح الباب لتأسيس نظام ديمقراطي كامل، لأن بحدوثه يكون السودا...

كتب زميلنا وصديقنا المُبجل محمد علي صالح مقالاً جاذباً الأسبوع الماضي في صحيفة الواشنطن بوست. حكى فيه عن تجربته وأسرته مع وباء الكورونا (كوفيد19) والواشنطن بوست كما هو معروف صحيفة ذائعة الصيت في جميع أنحاء العالم. وزميلنا الذي أُكنيه (شيخ الصحافيين) يستحق هذا اللقب عن جدارة مهنياً وثقافياً وأخلاقياً. فهو على مدى أكثر من نصف عمره ظل يرفد الصحف الأمريكية بموضوعات شتى، ذلك إلى جانب وظيفته الراسخة في ...

كانت هناك كثير من القواسم المشتركة بين كل النُعاة. لم يختلف فيها أحد عن أن خُلقه وأدبه وتواضعه كان سمة بارزة في سلوكه. ولم يقل أحدٌ إنه كان غضوباً أو متعالياً أو متعجرفاً أو مزدرياً غيره، لا سيما، وقد جانب ذلك ببراعة في بيئة كان يمكن أن تهيء له كل ذلك عنوةً، إلا أنه مضى في طريق آخر رسمه لحياته بنهج طالما سهر الخلق جرائه واختصموا. ...

حرب الإخوة (الأعدقاء) | undefined

لم يشاء أن يطرح الموضوع في الاجتماع الرسمي لمجلس الوزراء، فانتظر حتى انتهى الاجتماع الذي كان بخصوص مناقشة الميزانية العامة في يوليو 1983م وحينها كان الحديث يدور همساً عن مجاعة محتملة ستشهدها البلاد. فقال: عندما شرحت الأمر للرفيق الكولونيل مانغستو وأكدت له أن الأزمة تتطلب منَّا تخصيص أموالاً إضافية لمضاعفة الاستعدادات، أجابني بصرامة لم أعهدها منه، بل ما كنت أُظن أن الأيدولوجيا التي تجمعنا معاً ستعل...

سألت نفسي وربما تساءل الكثيرون مثلي: لماذا تبدو (اتفاقية جوبا للسلام) باردة كجثة هامدة ماتت قبل أن تُولد أو بالأحرى قبل أن تُطبَّق عملياً؟ بصورة أخرى لماذا يبدو الانفعال الشعبي بها ضئيلاً، لا سيَّما في مناطق النزاعات والحروب؟ بدليل أنه لو قُدر لك أن تستفتي رهطاً من الناس حول نصوصها، لما وجدت من يُعطيك إجابة شافية. بل أصدقكم القول إنني قرأتها على عجل من باب الإحاطة بالشيء ولا الجهل به. فقد علمتنا ت...

يفر السودانيون من الكذاب فرار السليم من الأجرب، ولكن هذا لا يعني كلهم من جنس الملائكة، فالكذابون بيننا كُثر خاصة وسط فصيلة السياسيين، حيث يكثُر الأنبياء الكذبة. ولكن أن يكون قاسماً مشتركاً بين بعض من دخل (قصر غردون) فذلك لعمري ما يدعو للدهشة والرثاء. أثناء إعدادي كتابي الأخير (الطاعون) وردت إليَّ معلومة فحواها بحسب ما ذكرت في صفحة 32 ما يلي: (استهلكت زمناً ليس بالقليل استقصي في أي وسط أعلم فيه من ...

يقول الراوي: (أُنظر إلى هذه المدينة كم هي كبيرة.. واسعة.. تكاد تتسع للعالم كله.. ورغم هذا تضيق بي، ترفض أن تعطيني مقعداً واحداً أتكئ عليه.. هذه المباني السامقة.. هذه السيارات الأنيقة.. هذا الوجود المُترف المُتحرك.. إنني لا أملك فيه شيئاً. لا أملك إلا النظر إليه.. مجرد النظر من بعيد.. إنني لا أملك حتى حق المُتسول.. فالمُتسول إنسان عامل.. وأنا عاطل وغريب.. ولقد كنا نعيش على الأحلام والمُنى.. ما أجمل...

نعلم تماماً صعوبة مراحل الانتقال في حياة الشعوب، لا سيِّما، تلك التي رزئت بديكتاتوريات دموية، كتلك التي ناءت بكلكلها على صدورنا لثلاثين عاماً حسوماً. ولهذا نحن نقدِّر الظروف القاسية التي تمر بها الحكومة الانتقالية ولا نقول الثورة. ذلك لأن الحكومة إلى زوال والثورة باقية ما بقي الوطن على وجه الأرض. ونعلم كذلك من هم المتربصون من الفلول، الذين يحيكون الدسائس والمؤامرات آناء الليل وأطراف النهار، ولا يم...

نحن أضعف (خلق الله إنسانا) إزاء السلطة وبريقها وصولجانها. نحبها حباً جماً وندَّعي البراءة. ليتنا اعترفنا بهذه الخطيئة التي رزحنا في جحيمها زمناً طويلاً. فلربما فتح الاعتراف لنا بابين، الأول لمعرفة الأسباب، والآخر لاستكناه الحلول. لكن الذي لن ينتطح فيه عنزان، هو تفسير الظاهرة بواحدٍ من اثنين، إما لأسباب نفسية (سايكولوجية) أو نتيجة لعوامل سلوكية اجتماعية تربوية. وأياً كانت المبررات فمن المؤكد أن ورا...

ليس من شيمتي التعقيب على ما يُدلي به الأفراد الناشطون في حقل السياسة، إلا فيما ندر. وذلك لقناعتي أن لدينا في ثقافتنا السودانية إشكالية بنيوية كبيرة جداً فيما يتعلق بإدارة حوار مُثمر يجنح نحو العقلانية، ويتسامى عن سجالات المنتصر والمهزوم، ويفضي إلى نتائج إيجابية مفيدة. وعوضاً عن ذلك فنحن بارعون في ثقافة كسر العظام. غير أنني سوف أغض الطرف عن المنهج المذكور في هذا المقال، لأعلق على حديث هام أدلى به ا...

بيد أن اللافت للنظر ما تلاه وزير العدل نصر الدين عبد الباري من قرارات ذات نفس ثوري يشع العافية في البدن العليل. انطوت القرارات على عقوبات مشددة، قفزت ببعضها إلى الحكم بعشر سنوات سجناً عوضاً عن الحكم بالسجن شهراً، إضافة للعقوبات المالية والمصادرات...

على هامش موضوعنا الأساسي في هذا المقال، سألني بعض القراء والأصدقاء عن سبب ما اسموه عزوفاً عن الكتابة مؤخراً. قلت لهم: الحقيقة لا يعدُ هذا عزوفاً بالمعنى المتعارف عليه، ولا الذي تواثقنا عليه أيضاً، ولربما بمنطلقات واقع نعيشه قد يوقعنا تفسير كهذا في شباك المحظورات التي يتمناها الذين انغصوا علينا حياتنا. وعليه نقول إنه محض توقف مؤقت، لربما كان تأملاً في ظروف أملتها الضرورات. ولكن أياً كانت التأويلات،...

عودة النهر إلى المنبع | undefined

لم يدهشني الذين نظروا إلى مؤتمر برلين من زاوية العائد (الدولاري) وطبقاً لذلك طفقوا يُبخِسون الإنجاز تارة، ويختزلون أهدافه تارة أخرى. ولأن عيونهم دأبت على نكران ضُوء الشمس من رمدٍ، لن يروا الصورة الحقيقية لحدث يعد الأضخم في تاريخ السودان المعاصر، وتحديداً منذ أن رمينا بحثالات نظامهم البائد في مزبلة التاريخ. أما إخضاع القيم والمبادئ والأخلاق للمعايير (الدولارية) فتلك منغصة جُبل عليها الزنادقة الملتح...