محمد خلف


الكتابات

قلنا في المُشاركةِ السَّابقة إنَّنا سنُكمِلُ هذه الحلقة بمُشاركةٍ أخرى ختاميَّة، نستعرضُ فيها ما انكشفَ لنا تحت ضوءِ آخرِ قناديلِ الطَّريق، والذي سيجيءُ هنا في شكلِ تعليقٍ يُلخِّصُ الأحداثَ التي وقعت بالفعل أو يستخلِصُ منها دَلالاتٍ أو يبنِي عليها تأمُّلاتٍ لا يسعُها مجالُ النَّص. إلَّا أنَّه قبل المُضي قُدُماً في استكمالِ فقراتِ هذه الحلقةِ الختاميَّة، التي تمهِّد إلى تناولِ المحاور الثَّلاثة، كل...

-2- قبل المُضي قُدُماً في صياغةِ فقراتِ هذه الحلقةِ الخاصَّة باستكمالِ إنشاءِ شخصيَّة الكاتب من خلال تتبُّعِ خيوطِ الضَّوء الصَّادرة من قناديلِ الطَّريق، نودُّ أن نُذَكِّرَ القارئ بالمحاورِ الرَّئيسيَّة الثَّلاثة لمجملِ هذه المشاركاتِ حول كتاباتِ الطَّيِّب صالح؛ وهي، كما يُدرِكُ المتابعون ذوو الذَّاكرةِ النَّشِطة: أوَّلاً، محورُ البندرِ الكولونيالي، ويُمثِّله خيرَ تمثيلٍ شخصيَّة مصطفى سعيد، رغم و...

-1- كشفنا في الحلقةِ السَّابقة، عبر ما وصفناه بقناديلِ الطَّريق، الخطوطَ العريضة لشخصيَّةِ الكاتب المُراد إنشاؤها داخل النَّص، وقلنا إنَّنا سنُجسِّدُ في هذه الحلقةِ تلك الشَّخصيَّة المنسيَّة من خلالِ أمثلةٍ تُحدِّدُ – بشكلٍ مُركَّز – النُّورَ السَّاطعَ من تلك القناديل؛ فهدفُنا من ذلك، ليس مجرد توضيحِ رؤى الكاتبِ داخل النَّص، وإنَّما تنصيبُه شخصيَّةً قائمةَ الذَّات، تماماً مثلما أنَّ الرَّاوي في "...

للأشياءِ جميعِها وجهٌ وقفا؛ وَمَنْ أراد أن يقتفي أثر القفا، فليفعل، فهناك دائماً فرصةٌ لأن "تُصنَعُ من الحَبَّةِ قُبَّة"، وإن لم تقُد إلى صنيعٍ ذي بال؛ لكنَّنا سنسعى لتأمُّلِ صفحةِ الوجه، مقتفينَ أثرَ عبدِ القاهر الجُرجاني، الذي قال عنه طه حسين مُستدرِكاً، في معرضِ نَقدٍ لِقفا لا فائدةَ من ذكرِ تفاصيلِه: "أمَّا السَّيِّد الجُرجاني نافذُ البصيرة، فإنَّه يستخرِجُ من الأشياء الواضحة أسراراً غامضة". و...

تنتظمُ الأشياءُ دائماً في مواجهةِ ما يُهدِّدُ بقاءها؛ فسواءً نشأ بالطَّبعِ أو تمَّ إنشاؤه إنشاءً، فإنَّ نظمَها هذا سيكونُ على وجهِ العمومِ عُرضةً للزَّوال، ما لم يتوفَّر لديها عنصرٌ أو عناصرُ تُمكِّنُها من تأجيلِ هذا الفناءِ المحتوم. وهذا النَّظمُ العامُّ للأشياء يُغطِّي بعموميَّتِه الأقانيمَ الثَّلاثة: فهناك نظمُ العالَم، الذي يشمل كلَّ ذرَّاتِ العالم المادِّي وقواه الرَّئيسيَّة؛ وهناك نظمُ العقل...

وَعَدنا في الحلقةِ السَّابقة بأنَّنا سنكشفُ في هذه المشاركة شَخصيَّةً منسيَّة، وسنسعى إلى تنصيبِها، عكس كلِّ التَّوقُّعاتِ، بطلاً حقيقيَّاً، ليس لرواية "مَوسِم الهجرة إلى الشَّمال" فحسب، وإنَّما للمتنِ برُمَّته. وبما أنَّ هذه الشَّخصيَّة قدِ استُلزِمَ إنشاؤها إنشاءً، كما سنوضِّحُ لاحقاً، كضرورةٍ نشأت عن قصورٍ نصِّيٍّ اعترى الشَّخصيَّتين الرَّئيسيَّتين، بسببِ عدم قدرةِ الأوَّل (وهو مصطفى سعيد) على ...

قلنا في الحلقةِ السَّابقة إنَّنا سنوضِّح كيف أنَّ الأبياتِ التي ألقاها مصطفى سعيد على مسمعٍ من الرَّاوي ستُساهمُ في تحديدِ الأدوار الرَّئيسيَّة، التي ستُساهمُ بدورِها في توضيحِ المحاور الأساسيَّة للمتن. ولتذكيرِ القارئ، نقول إنَّها تلك الأبياتُ التي تتحدَّثُ عن نساءِ فلاندرز، اللَّائي ينتظرنَ الضَّائعين، مشيرةً ضمن تعبيراتِها إلى توقيتِ ما بعد منتصفِ اللَّيلِ بمحطَّة تشارنغ كروس: "هذه محطَّة تشا...

<strong>هذه محطَّة تشارنغ كروس: ثمَّة جمعٌ غفير، متَّشحاً بالسَّوادِ، بالكادِ يهمسُ بصوتٍ عالٍ </strong> قلنا في الحلقةِ السَّابقة إنَّنا سنوضِّح كيف أنَّ الأبياتِ التي ألقاها مصطفى سعيد على مسمعٍ من الرَّاوي ستُساهمُ في تحديدِ الأدوار الرَّئيسيَّة، التي ستُساهمُ بدورِها في توضيحِ المحاور الأساسيَّة للمتن. ولتذكيرِ القارئ، نقول إنَّها تلك الأبياتُ التي تتحدَّثُ عن نساءِ فلاندرز، اللَّائي ينتظرن...

<strong>هذه محطَّة تشارنغ كروس: ثمَّةَ رهطٌ خفيضُ الصَّوت، ثمَّ ضوضاءُ عالِقةً منذُ أن حَمِيَ وطيسُ الحربِ في حقولِ فلاندرز </strong> في وسطِ لندن على وجهِ التَّحديد، تُوجدُ محطَّتانِ عتيقتانِ باسمِ تشارنغ كروس: الأولى، لمترو الأنفاق (أو قطارات تحت الأرض)، وتقعُ مباشرةً تحت ميدان الطَّرف الأغر، ذي الأُسودِ البرونزيَّة، كما يتوسَّطُهُ تمثالُ نيلسونَ الشَّاهق، الذي تحفُّ به فَسقيَّاتٌ (أي نوافي...

تضرَّرَ الطَّيِّب صالح -الرَّجلُ الطَّيِّبُ- كثيراً في حياتِه، بسببٍ من رُدُودِ أفعالٍ (أي تصريحاتٍ) غيرِ مراقَبةٍ من جانبه، وبسببٍ من مدارسَ نقديَّةٍ اعتمدنا أُطروحاتِها من غيرِ تمحيصٍ كاف، سنتعرَّضُ إلى نظرتينِ أو منظورَيْنِ رئيسيَّيْنِ منها في هذا الخُصُوص، لعلَّنا نُنصِفُهُ في مَمَاتِهِ بعضَ الإنصاف؛ ولكن، قبل البدءِ في هذه المَهمَّة، سنُقيمُ تفريقاً ضروريَّاً بين مفاهيمَ أساسيَّة، يحتاجُ استخ...

سنهتمُّ في هذه المشاركة، والمشاركاتِ التي تليها، ضمن تجوُّلِنا عبر متنِ الرَّجُلِ الطَّيِّب، بأمرين: الأوَّل، استئنافُ ما بدأناه في الحلقةِ السَّابقة، وهو التَّنقيبُ الجماعيُّ المستمر -من خلال الكنوزِ الأدبيَّة التي خلَّفها لنا الرَّاحلُ العظيم- عن الدَّلالاتِ الجديدةِ والمتجدِّدة...

أتى إلى الغربِ باكِراً، واتَّخذ مركزاً مرموقاً ببندرِه الكولونيالي؛ إلَّا أنَّه كان يُدرِكُ، في الوقتِ نفسِه، أنَّه ينتمي إلى أُمَّةٍ مقهورة، ذاتِ تاريخٍ مجيد، وشعبٍ فريد، وقيمٍ أصيلةٍ ونبيلة؛ لكنْ يقعُدُ بها الفقرُ، ويُنهِكُها المرضُ، وينتشرُ بها الجهلُ؛ فينقصُها لكلِّ ذلك الأملُ، ويتسلَّلُ إليها القنوطُ من كلِّ حَدَبٍ وصَوب، ويُحيطُ بها اليأسُ كما يُحيطُ السُّوارُ بالمِعصم. كان مُلِمَّاً بفكرِ أ...

كنتُ أظنُّ أنَّني قد أدَرتُ ظهري تماماً لكتاباتِ الطَّيِّب صالح، بعد انشغالي عنها لفترةٍ طويلة بالقرآن؛ وكنتُ أظنُّ كذلك أنَّه لا مُبَرِّرَ للرُّجوعِ إليها بعد رحيله، خصوصاً وأنَّني وَطَّنتُ نفسي منذ مدَّةٍ على إدارةِ جُلِّ حواراتي مع أحياء، فالموتُ يُسدِلُ قدْراً من التَّستُّرِ على عيوبِ المقروء، هذا علاوةً على إلزامٍ لا عيبَ فيه بتوقيرِ مَنْ مَضَى، وتَركِ نُصوصِه لحُكمِ التَّاريخ؛ ولا غضاضةَ في ...

في مسجدٍ بالقضارف على الطَّريقِ الرَّئيسيِّة المؤدِّية إلى مركزِ المدينة، كان أصحابُ مشاريعِ الزِّراعةِ المطريَّة يتزاحمون للجُلُوسِ أمام النَّوافذ حتَّى يتسنَّى لهم، أثناء الخُطبةِ، مراقبةُ غيمةٍ واعِدةٍ وهي تتحرَّكُ بتؤدةٍ تحت رُكامٍ من السُّحُبِ المرتفعة؛ وما إِنْ فَرَغَ الإمامُ من تأدية صلاةِ الجُمُعة حتَّى تَدافعَ عددٌ من أصحابِ المشاريعِ نحو لاندكروزراتهم لمطاردةِ الغيمة التي يُمَنُّونَ النّ...

في ساعةٍ مبكِّرة من صباح إضراب "سودانير" الشَّهير في منتصف الثَّمانينيَّات، احتشد عددٌ من الموظَّفين بنادي "الخطوط"، استعداداً للتَّحضير لأوَّل أيَّامِ الإضراب؛ ومن ضمنه، كتابة الشِّعارات الورقيَّة ولافتات القماش الضَّخمة الَّتي ستُعلَّق عبرَ عُرضِ الشَّارع الرَّئيسي المواجه لمدخل النَّادي، وذلك للفتِ الانتباه وكسب تعاطف المارَّة وسائقي السيَّارات والحافلات. وتسترجعُ الذَّاكرةُ أنَّه بعد دقائقَ قل...

أشرنا في مقالٍ سابق* إلى أقانيمَ ثلاثة، باعتبارِها مناطاً للواقع والعقل واللُّغة؛ وفي هذا المقال، سنُشيرُ إلى أنَّ هذه الأقانيم الثَّلاثة مُحاطةٌ بأربعِ مشكلاتٍ تستعصي على الحلِّ، هي: الوُجُودُ والحياةُ والوعيُ والمعنى؛ فهذه إذاً سبعةٌ مُستفيضةٌ، سنحاولُ إضاءةَ جانبٍ من أقطارها متى ما قاد سياقُ المقالِ ومساحتُه المحدودةُ إلى تلمُّسِ ناحيةٍ من نواحيها. ولتذكيرِ القارئ وفائدته، فإنَّنا قلنا إنَّ الو...

تمثُّلاً بالحديثِ النَّبويِّ الشَّريف واقْتِداءً بالرَّسولِ الكريم ونَسْجاً على مِنْوالِ حديثِه عن أركان الإسلام الخمسة، يُمكِنُ تكليلُ هذه الفِقْرةِ الافتتاحيَّةِ بالقول: بُنِيَ الكونُ على خمسِ قوًى – أربعةٌ منها معروفة، هي: الجاذبيَّة، والكهرومغنطيسيَّة، والنَّوَويَّة الضَّعيفة، والنَّوَويَّة القويَّة؛ أمَّا القوَّة الخامسة، فقد ظلَّت منذُ بلايين السِّنين مُخبَّأةً على مَسمَعٍ ومرأًى من جميعِ ال...

شمسُ الظَّهيرةِ السَّاطعةُ وسريانُ الطَّاقةِ الثَّوريَّةِ في فترةِ الانتقال | undefined

يُدرِكُ الَّذين دفَعتْ بهمُ القوَّةُ الطَّارِدةُ (سياسيَّاً واقتصاديَّاً) إلى مُدُنِ الشَّتَاتِ الباردة، أنَّ شمسَ الاستواءِ السَّاطعةَ الَّتي تركوها وراءَهم تُرسِلُ في واقعِ الأمرِ أشعَّتَها إلى كافَّةِ الكواكبِ الَّتي تَدُورُ حولها، وتَخصُّ هذا الكوكبَ المُتفرِّدَ بدِفءٍ حانٍ وأشعَّةٍ تَحمِلُ في طيَّاتها أهمَّ أسبابِ الحياةِ القائمةِ على ظَهرِ هذه الأرض؛ كما يُدرِكُ المُتحمِّلونَ لوطأةِ الشَّتَا...

نحتاجُ إلى جهازِ قياسٍ أو عدَّادٍ إلكترونيٍّ دائمٍ وشفَّافٍ لقياسِ درجةِ مدنيَّةِ الدَّولةِ السُّودانيَّةِ؛ ففي الوقتِ الرَّاهن، يبدو رأسُ الدَّولة، وهو مجلسُنا السِّيادي، وكأنَّه في حالةِ "تراكُبٍ كمِّي"، وهي حالةٌ في الفيزياء الكوانتيَّةِ لا يَتبيَّنُ فيها حالةُ الأنظمةِ الفيزيائيَّةِ إلَّا بقياسِها...

كتب الشَّاعر الرَّاحل تاج السِّر الحسن قصيدته الشَّهيرة، "أنشودة آسيا وأفريقيا"، في مناخٍ من التَّفاؤل والتَّضامن، في إطارِ روح التَّعاون والصَّداقة التي سادت على الأقلِّ في ظاهرِ الخطاب، في أعقاب اِنتهاء الحرب العالميَّة الثَّانيَّة، حيثُ حاول عددٌ من البلدان إيجادَ مكانٍ له تحت الشَّمس، ولو في ظلِّ سيطرة القوَّتين العُظميَيْن (الولايات المتَّحدة وروسيا)، بعد خروجهما منتصرتَيْن في الحرب الكبرى ف...

عندما نقول "نظرية كلَّ شيء"، فإنَّنا نعني توحيد قوى الطَّبيعة الرَّئيسيَّة الأربعة، وهي: الجاذبيَّة، والكهرومغنطيسيَّة، والنَّوويَّة بشِقَيْها القوي والضَّعيف، فيما هي تؤثِّر مجتمعةً وعلى حِدَةٍ على الجُسيمات المادِّيَّة المتناهية الصِّغر (الإلكترونات والبروتونات والنِّيوترونات والنِّيترينوات، بأنواعها المختلفة جميعها)....

عبَّرنا في الحلقةِ السَّابقة عن احتفائنا بدحضِ التَّفسيرِ الذي تقدَّمنا به لعبارة "التُّونسيَّه"، بعد أن تبيَّن لنا تعرُّضُ الصُّورةِ التي اعتمدنا عليها للتَّزييف عن طريق تقنية "الفوتوشوب"؛ وقلنا إنَّنا ربَّما نشرحُ ما نعني بالاحتفاء، الذي سيقودنا إلى جون إكِلِس، وكارل بوبر، وتوماس كون، وليونارد سسكند، ومنهجيَّةِ العلوم الطَّبيعيَّةِ ...

نبَّهنا في كتاباتٍ عديدة إلى أهميَّة نظريَّة الفيلسوف الفرنسي، لوي ألتوسير، حول الدَّور التَّكويني والتَّكميلي لأجهزة الدَّولة الآيديولوجيَّة في رفد وتطوير المفهوم الكلاسيكيِّ للدَّولة. فالمفهوم الكلاسيكيُّ ينحصرُ في منظورٍ يتناولُ مصطلح "الدَّولة" باعتبار أنَّها أداةٌ (مُستقِلَّة أو طبقيَّة) لتنظيم المجتمع، استناداً إلى الإدارة العلميَّة، ووفرة المال، وقوَّة الجيش والشُّرطة، والتَّحكُّم في أنظمة السُّجون وأجهزة الاستخبارات...

لم يكنِ العلماءُ وحدُهم هُمُ الذين سعَوا إلى تليين عريكة الزَّمان، فقد تبعهم في ذلك فنَّانون تشكيليُّون وروائيُّون وشعراءُ مُحدثون؛ أمَّا الفلاسفة، فقد تخبَّطوا في ذلك أيَّما تخبط، إلى أن تمكَّنتِ الفيزياء الحديثة، بدءاً من ماكس بلانك وألبرت آينشتاين، وانتهاءً بنيلز بور وأشبال ميكانيكا الكم في منتصف العشريناتِ من القرن الماضي (فيرنر هايزنبيرغ، ولفغانغ باولي، وإرفن شرودينغر، وبول ديراك)، من وضعِ توصيفاتٍ احتماليَّة للنِّظام الكمومي للجسيمات المتناهية في الصِّغر، ممَّا مهَّدَ ا...